
| تمجيد قبيسي |
يتخوف من أن يؤدي إعلان مدينة صيدا «عاصمة متوسطية للثقافة والحوار لعام 2027»، إلى تطبيع مع إسرائيل، ومطالب بإقفال الثغرات التي قد تؤدي إلى ذلك.
يعود إلى الواجهة مجدداً نشاط المنظمات غير الحكومية الممولة من الخارج، بعد غياب طويل وملحوظ، ولا سيما في أثناء العدوان الإسرائيلي على لبنان. هذه العودة لا يمكن اختزالها في نشاط تنموي عابر، بل تندرج ضمن مسار أوسع يستهدف إعادة تشكيل الوعي الثقافي.
وقد أثبتت التجربة اللبنانية أن البرامج «التنموية» و«الثقافية»، التي تُغلَّف بعناوين برّاقة، مثل: «التعايش» و«الحوار بين الثقافات»، كثيراً ما تتحول إلى غطاء لمسارات تطبيعية ناعمة، لا تظهر ملامحها إلا بعد توقيع العقود والشروع في التنفيذ.
في هذا السياق، يأتي اختيار مدينة صيدا «عاصمة متوسطية للثقافة والحوار لعام 2027»، إلى جانب مدينة قرطبة الإسبانية، من قبل المنتدى الإقليمي العاشر للاتحاد من أجل المتوسط في برشلونة. وجاء القرار ضمن مبادرة مشتركة بين الاتحاد ومؤسسة «Anna Lindh Foundation» الأورومتوسطية، تهدف إلى «تعزيز التبادل الثقافي والحوار بين ضفتي البحر المتوسط عبر مدن ذات رمزية حضارية».
ورغم أن الإعلان يُعدُّ اعترافاً دولياً بمكانة صيدا التاريخية والثقافية، إلّا أنه يفتح في المقابل نقاشاً واسعاً حول حدود الانخراط في مبادرات دولية ترعاها جهات لها نشاطات معلنة في إسرائيل، تحت شعار «الحوار بين الثقافات».
فـ«Anna Lindh Foundation»، الشريك الأساسي في هذه المبادرة، تدير مشاريع في إسرائيل وترتبط بمؤسسات إسرائيلية بشكل معلن، ما يثير مخاوف جدّية من استخدام هذه البرامج كغطاء للتطبيع الثقافي.
القرار، دفع مبادرة «قاطع قاوم» إلى التحرّك والتواصل مع المؤسسات الثقافية والإنمائية والأحزاب، للتنبيه من خطورة إدراج لبنان في مشاريع قد تحمل في طياتها أبعاداً سياسية تتجاوز عناوين التبادل الثقافي والحوار. وأوضحت المبادرة لـ«الأخبار» أنه «رغم عدم تسجيل أي خرق تطبيعي فعلي حتى الآن بعد توقيع العقد، فإن الحذر يبقى واجباً، نظراً إلى تاريخ المنظمة في إيقاع الشباب العربي في مطبّات تطبيعية سابقة ضمن مبادرات مماثلة». وحذّرت من أن «الخطر يكمن في بنود العقود نفسها، التي قد تُستغل لفتح ثغرات تؤدي إلى التطبيع، سواء عبر استخدام الأفراد أو الموارد أو المؤسسات اللبنانية في أنشطة مشتركة مع جهات إسرائيلية، أو عبر استغلال أسماء المدن في أي نشاط تطبيعي».
لذا، اعتبرت المبادرة أنه في حال الإصرار على التعامل مع المنظمة، ينبغي إدراج بند صريح وملزم في العقد يمنع مشاركة اللبنانيين أو استخدام الموارد والمؤسسات اللبنانية في أي نشاط يضمّ إسرائيليين أو يتم بدعم مباشر أو غير مباشر من مؤسسات إسرائيلية.
في المقابل، أوضح رئيس بلدية صيدا، مصطفى حجازي، لـ«الأخبار»، أن اختيار صيدا وقرطبة كعاصمتين متوسطيتين للثقافة والحوار لعام 2027 جاء «بناءً على ملف رسمي قدّمته البلدية، وبقرار صادر عن وزراء خارجية الاتحاد من أجل المتوسط الذي يضم 42 دولة، من بينها وزارة الخارجية اللبنانية، ما يجعل القرار سياسياً – دبلوماسياً رسمياً على المستوى الدولي». وبيّن أن الخطوة جاءت «بعد تنسيق مع وزارتي الثقافة والداخلية وبمباركة الرئاسة اللبنانية».
وقال حجازي إن «مؤسسة Anna Lindh هي جهة أورومتوسطية رسمية تابعة للاتحاد الأوروبي، ولديها شبكات وطنية في 43 دولة، بينها لبنان»، نافياً وجود «أي علاقة تنظيمية أو شراكة مؤسساتية مع معهد فان لير الإسرائيلي أو أي مؤسسة إسرائيلية أخرى». كما اعتبر أن «مشاركة أكاديمية حصلت في السابق لا تعني بالضرورة وجود علاقة مؤسساتية قائمة».
غير أن ما قاله حجازي لا يبدّد الشكوك القائمة، فبينما ينفي وجود أي علاقة مؤسساتية أو شراكة مع جهات إسرائيلية، تُظهر المعطيات المنشورة على الموقع الرسمي لمؤسسة «Anna Lindh» أن نشاطها لا يزال قائماً داخل الأراضي المحتلة، إضافةً إلى سعي الشبكة الإسرائيلية التابعة لها إلى تعزيز التعاون داخل إسرائيل ومع مؤسسات في أوروبا ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
وكانت الحملة الفلسطينية للمقاطعة الأكاديمية والثقافية لإسرائيل «PACBI» قد حذرت من «Anna Lindh»، داعيةً إلى مقاطعة المنتدى الذي أقامته العام الفائت في ألبانيا، نظراً لمشاركة إسرائيليين.
ماذا يقول قانون مقاطعة إسرائيل؟
بموجب قانون مقاطعة إسرائيل، يحظر التعامل مع الشركات والمؤسسات الأجنبية وفروعها والأشخاص الطبيعيين الذين يخالفون مبادئ المقاطعة نتيجة تعاملهم مع إسرائيل، سواء عبر صفقات تجارية أو عمليات مالية أو سياحية أو فنية أو أي نوع آخر من التعاملات، وتُدرج أسماؤهم على القائمة السوداء بقرار من مجلس الوزراء أو السلطة المخوّلة بذلك بناءً على اقتراح وزير الاقتصاد والتجارة ووفق توصيات مؤتمر ضباط الاتصال.
وتُعد من الأعمال المخالفة: وجود شركة أو مصنع فرعي أو رئيسي أو مصنع تجميع في إسرائيل، منح حق استعمال الأسماء أو العلامات التجارية أو براءات الاختراع لأشخاص أو مؤسسات إسرائيلية، امتلاك أو المساهمة في مؤسسات أو أعمال إسرائيلية داخل إسرائيل أو خارجها، امتلاك أو المساهمة الإسرائيلية في شركات أو مؤسسات أجنبية داخل إسرائيل أو خارجها، تقديم أي خدمة استشارية أو مساعدة فنية لمؤسسات أو أعمال إسرائيلية، أو تمثيل أي مؤسسة أو عمل إسرائيلي داخل إسرائيل أو خارجها.













