| مرسال الترس |
دأب معظم رؤساء الجمهورية في لبنان، في مرحلة ما بعد إقرار الدستور الجديد للدولة اللبنانية في المملكة العربية السعودية عام 1989، والذي يُعرف بإسم “اتفاق الطائف”، التمني سراً، وتلميحاً في بعض الأحيان، إدخال تعديلات على ذلك الإتفاق الذي إقتصّ بشكل ملموس من الصلاحيات التي كانت منوطة برئاسة الجمهورية في لبنان، بحيث نقلها من نظام رئاسي مطلق منذ الاستقلال، الى أروقة مجلس الوزراء مجتمعاً. ومنح رئيس الحكومة، الذي كان يسمى كـ”وزير أول” من قبل رئيس الجمهورية، رتبة “رئيس مجلس الوزراء” يمكنه ترؤس أي جلسة من دون حضور رئيس الجمهورية.
لا بل أن “الطائف” منح الوزراء مهلة مفتوحة لتوقيع المراسيم، فيما حصرها بمدة أسبوعين فقط لرئيس الجمهورية.. والى آخر المعزوفة المستمرة منذ 37 سنة. باستثناء، ربما، مرحلة حكم الرئيس الراحل الياس الهراوي الذي كان اول رئيس فعلي بعد ذلك الاتفاق، إثر اغتيال الرئيس رينه معوض، لأنه كان على “ودٍ كبير” مع رئيس مجلس الوزراء حينها الرئيس رفيق الحريري!
ومثله، مثل الرؤساء الذين سبقوه، فإن رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون خاض في هذه المعمعة، من دون أن يحدّد لها سقفاً زمنياً. ففي أول مقابلة متلفزة له عبر “تلفزيون لبنان” مع مطلع السنة الثانية من عهده، قال في هذا السياق: “هل مسموح لرئيس الجمهورية ألا تكون له مهلة محددة للدعوة إلى استشارات نيابية لتكليف رئيس للحكومة؟ وهل من المسموح لرئيس الحكومة أن تكون لديه مهلة مفتوحة من دون حدود لها لتشكيل حكومة؟ وهل من المسموح للوزير، تحت شعار صلاحياته، أن يعطّل المراسيم ويوقفها؟..”.
وضع الرئيس عون الأصبع على الجرح، لكنه استدرك بالقول: “هناك بعض الثغرات، والأمر يتطلب حوارًا ووفاقًا وطنيًا، ويمكن معالجتها لاحقًا”. وأضاف: “السلطة ممارسة، وعلى رئيس الجمهورية أن يكون حَكَمًا وليس طرفًا وألا يضعف”.
الواضح أن الظروف الدقيقة والحساسة جداً التي يمر بها البلد، ولا سيما المواضيع التي تتعلق بحصر السلاح بيد الدولة اللبنانية من دون سواها، وما يواكبها من مطالبات بعض الأفرقاء بنزع سلاح المقاومة، مصحوبة باعتداءات إسرائيلية على الأراضي اللبنانية لم تعرف الهوادة منذ سنة ونصف السنة، وغير آبهة بتوقيع اتفاق وقف النار في 27 تشرين الثاني عام 2024، لن تدفع رئيس الجمهورية إلى طرح أي هواجس بشأن الصلاحيات، برغم التناغم القائم بينه وبين السلطة التشريعية المتمثلة بالرئيس نبيه بري، وبالسلطة التنفيذية التي يقودها الرئيس نواف سلام، لأن باب التغيير والتعديل يمكن فتحه بسهولة، ولكن إغلاقه يتطلب جهوداً جبارة، وربما صراعات أو حروباً كما اعتادت الساحة اللبنانية!
والذي بات ثابتاً، أن من ألزم نفسه بعدم الغرق في وحول السياسة في لبنان عبر أحزاب، أو تيارات، أو كُتلاً نيابية، وأنه سيكتفي بعد خمس سنوات من عهده بالعيش مرتاح البال في مسقط رأسه في قضاء جزين، فإنه لن ينحدر إلى الخوض في مغامرات سياسية، قد تتحول إلى طائفية أو مذهبية، وربما لن يتم قطف ثمارها إلاّ عبر صراعات دامية، وتدخلات سياسية إقليمية ودولية، لا يهمها أبداً عدد القتلى أو الجرحى من هذه الفئة أو تلك، وإنما تمرير مصالحها بين نقاط الصراعات!













