| ناديا الحلاق |
بعد فترة طويلة من الترقّب والضبابية التي خيّمت على المشهدين الأمني والاقتصادي، عاد القطاع السياحي في لبنان ليُظهر قدرة لافتة على التقاط الفرص فور تبدّل المزاج العام.
ومع اقتراب نهاية العام، ساهم مناخ نسبي من الهدوء في كسر حالة الجمود التي أصابت الأسواق، وأعاد ضخّ جرعة تفاؤل انعكست مباشرة على حركة الحجوزات الفندقية والنشاط السياحي في العاصمة والمناطق.
هذا التحسّن، وإن كان محكومًا بعامل الوقت، شكّل مؤشرًا واضحًا إلى حجم الارتباط الوثيق بين الاستقرار والأداء السياحي، وإلى الدور الحيوي الذي يمكن أن يلعبه هذا القطاع في تحريك الدورة الاقتصادية متى توافرت الظروف المناسبة.
ولم تقتصر مؤشرات الانتعاش على الأرقام فحسب، بل ظهرت أيضًا في عودة الحركة إلى المطاعم والفنادق والمرافق السياحية، وفي ارتفاع الطلب على السهرات والحفلات خلال فترة الأعياد، ما أعاد إلى الواجهة نقاشًا أوسع حول إمكانات السياحة اللبنانية وقدرتها على استعادة دورها التاريخي كرافعة اقتصادية أساسية، رغم كل الأزمات المتراكمة.
في هذا السياق، برزت قراءة القطاع الفندقي لهذه المرحلة كعنصر أساسي لفهم ما جرى خلال عطلة الأعياد، ولا سيما أن الفنادق تعد من أكثر القطاعات تأثرًا بالتقلّبات الأمنية والسياسية.
ومن هذا المنطلق، شكّلت الأرقام المسجّلة خلال الأيام الأخيرة من العام محطة لقياس اتجاه السوق السياحية، وتحديد ما إذا كان ما تحقق مجرّد انتعاش موسمي عابر، أم إشارة أولى إلى إمكانية استعادة الزخم في حال توفّر حدّ أدنى من الاستقرار.
وفي هذا الإطار، شرح رئيس اتحاد النقابات السياحية ونقيب أصحاب الفنادق بيار الأشقر خلفيات هذا التحسّن ودلالاته على واقع السياحة في لبنان.
وفي حديث لموقع “الجريدة”، كشف الأشقر أن مرحلة الأعياد شكّلت محطة مفصلية لقياس نبض السوق السياحية، موضحًا أن نسب الإشغال التي كانت تعاني من تراجع واضح قبل أسابيع، شهدت قفزة ملموسة مع اقتراب نهاية العام.
ولفت إلى أن الحجوزات المسجّلة بين 27 كانون الأول و2 كانون الثاني رفعت نسب التشغيل في فنادق بيروت إلى ما يفوق 80%، فيما وصلت إلى نحو 60% في المناطق خارج العاصمة، وهو ما يُعدّ تطورًا لافتًا قياسًا بالمرحلة السابقة.
ورأى الأشقر أن هذه الأرقام تحمل دلالات تتجاوز موسم الأعياد بحد ذاته، إذ تؤكد أن السياحة في لبنان تبقى قطاعًا شديد الحساسية تجاه الأوضاع الأمنية والسياسية، وقادرًا في المقابل على التعافي السريع متى توفّر الحد الأدنى من الاستقرار.
وأكد أن لبنان لا يعاني من نقص في المقومات السياحية، بل من غياب الاستقرار المستدام الذي يسمح بتخطيط طويل الأمد واستقطاب منتظم للزوار.
وأضاف: التجربة أثبتت مرارًا أن لبنان لا يرتبط سياحيًا بموسم محدد، بل يملك عناصر جذب طبيعية وثقافية وخدمية تؤهله للعمل على مدار السنة، مع نسب إشغال يمكن أن تكون مرتفعة في حال استقرّت الظروف العامة، كما حصل في فترات سابقة. واعتبر أن ما جرى خلال عطلة الأعياد يعكس صورة مصغّرة عمّا يمكن أن يكون عليه المشهد السياحي في حال توفّر مناخ آمن ومستقر.
وفي سياق متصل، كشف الأشقر أن جزءًا أساسيًا من الطلب خلال هذه الفترة جاء من السوق المحلي، إذ فضّل عدد كبير من اللبنانيين الخروج من منازلهم خلال الأعياد والتوجّه إلى الفنادق لقضاء سهرات أو ليالٍ كاملة، ما ساهم في تنشيط الحركة السياحية الداخلية، وعوّض جزئيًا عن التراجع في أعداد الزوار من الخارج.
في المقابل، لم يُخفِ الأشقر قلقه من استمرار التحديات التي تواجه القطاع، ولا سيما تلك المرتبطة بانتشار وحدات الإقامة السياحية غير المنظّمة عبر المنصات الإلكترونية، خصوصًا خارج بيروت.
واعتبر أن غياب التنظيم والرقابة في هذا المجال يخلق منافسة غير متكافئة مع الفنادق المرخّصة، ويحرم الخزينة العامة من إيرادات مستحقة، فضلًا عن تأثيره السلبي على جودة الخدمات والسياحة المستدامة.
وأشار إلى أن النقابة تعمل حاليًا على إعداد مشاريع قوانين متكاملة تهدف إلى تنظيم هذا القطاع ووضعه ضمن إطار قانوني واضح، على أن يتم رفعها إلى وزارة السياحة والحكومة خلال فترة قصيرة، بما يضمن تحقيق التوازن بين تشجيع الاستثمار وحماية المؤسسات النظامية.
وختم الأشقر بالتأكيد أن صمود الفنادق والمؤسسات السياحية خلال السنوات الصعبة يعكس إصرارًا حقيقيًا على الاستمرار، رغم التحديات الاقتصادية والأمنية. واعتبر أن السياحة ستبقى أحد الأعمدة الأساسية للاقتصاد اللبناني، شرط أن تترافق مع هدوء طويل الأمد، وإصلاحات تشريعية وتنظيمية قادرة على إعادة الثقة، وفتح الباب أمام عودة الاستثمارات السياحية العربية والدولية إلى لبنان.













