الخميس, فبراير 12, 2026
spot_img
spot_img
spot_img
الرئيسيةسياسةمناوشات لبنانية - سورية حول الاتفاق القضائي

مناوشات لبنانية – سورية حول الاتفاق القضائي

spot_img
spot_img
spot_img
spot_img

|إبراهيم الأمين|


التعقيدات المحيطة بملف العلاقات بين لبنان وسوريا لا تقتصر على عدم التوصل إلى اتفاق قضائي بين البلدين حتى الآن، بل في التباين الواضح في نظرة المسؤولين اللبنانيين إلى كيفية إدارة هذا الملف. إذ يبدو الرئيس نواف سلام أكثر تفاعلاً معه، مقارنة برئيس الجمهورية جوزيف عون الذي لا يمانع التوصل إلى تفاهمات تسمح بإقامة علاقات جدية وندّية بين البلدين.

واللافت أن دمشق، التي تسعى إلى معالجة عدد من الملفات العالقة مع لبنان، تتصرف من موقع القوة، إذ تقف الولايات المتحدة والسعودية إلى جانبها، وليس إلى جانب لبنان كما يعتقد بعض المسؤولين في بيروت.

وينعكس هذا أحياناً في لغة التخاطب بين الوفود أثناء المحادثات، وصار واضحاً أن دمشق تربط عملياً كل أشكال التعاون مع لبنان بإنجاز هذه الخطوة.
ولخصت مصادر مشاركة في المحادثات ما يحدث بالآتي:

أولاً، يبدو أن الرئيس سلام يتصرّف على أساس أن ملف العلاقات مع سوريا بيده، وليس بيد رئيس الجمهورية. إذ كلف نائبه، الوزير طارق متري، الإشراف الكامل على هذا الملف، بما في ذلك التواصل مع القيادة السوريّة، وطلب منه التشاور الدائم مع الرئيس عون وإطلاعه على تفاصيل الملفات أولاً بأول، وهو ما يقوم به متري منذ أسابيع. كما كلفه سلام باستقبال أي مسؤول سوري يزور بيروت، والتنسيق مع جميع الوزارات اللبنانية المعنية بالعلاقات مع سوريا، وأن يكون على اطلاع دائم على ما تقوم به القوى العسكرية والأمنية.

ثانياً، تبلّغ لبنان من الجانبين السعودي والأميركي أن دمشق مصرّة على إنجاز ملف الموقوفين قبل الشروع في معالجة الملفات الأخرى. وسمع المسؤولون اللبنانيون هذا مباشرة أو عن طريق وسطاء. كما أكّد الرئيس السوري أحمد الشرع ووزير خارجيته أسعد الشيباني صراحةً أمام متري أن معالجة ملف الموقوفين أولوية، وأن دمشق لا ترى أي صعوبات في معالجة بقية الأمور بعد ذلك.

ثالثاً: تقول دمشق إنها معنية بالإفراج عن 2600 سوري محتجزين في السجون اللبنانية، سواء كانوا محكومين أو موقوفين من دون محاكمة، على أن تتولى إدارة ملفاتهم الأمنية بعد وصولهم إلى العاصمة السورية. وبدأ لبنان منذ نحو شهرين القيام بـ«مبادرات حسن نية»، تمثلت في الإفراج عن أكثر من 120 سورياً كانوا موقوفين من دون محاكمة، بعد التأكد قضائياً من خلو ملفاتهم من أي قضايا خطيرة، ما سمح بإطلاق سراحهم وسفرهم إلى سوريا.

رابعاً: تعتقد دمشق أنه لا يوجد أي سبب سياسي أو قانوني يمنع إنجاز المعاهدة القضائية بين البلدين. وقد ناقشت مسودة معاهدة قضائية مع الجانب اللبناني، تضمنت مواد مشابهة للوضع الحالي، وتم الاتفاق على اعتمادها كأساس للبحث. وترى سوريا أن لبنان قادر على التوصل بسرعة إلى اتفاقية، ما لم يتحول الملف إلى مادة للتجاذب السياسي الداخلي.

خامساً: بعد لقاءات عدة عقدت في بيروت ودمشق، أشار السوريون إلى تعديل أدخله وزير العدل اللبناني عادل نصار على المادة العاشرة من مسودة الاتفاقية، حول التزام الحكومة السورية بتنفيذ الأحكام الصادرة بحق السوريين المدانين في لبنان، وأن يقضي هؤلاء بقية عقوبتهم في السجون السورية. إلا أن التعديل الذي أزعج دمشق، كان طلب نصار أن تلتزم الحكومة السورية بإبلاغ لبنان بأي تعديل أو إجراء جديد تتخذه بحق أي من الذين سيسلمهم لبنان إلى دمشق.

إذ بدا الأمر بالنسبة إلى سلطات دمشق وكأنه تجاوز من لبنان للسيادة السورية. وأوضح مسؤولون سوريون (حظي كلامهم بتأييد لبناني)، أن الدولة السورية تمتلك كامل الحق بالتصرف مع الموقوفين بعد تسلمهم وفقاً للقوانين المعمول بها في سوريا، مع تعهّد دمشق بمنعهم من العودة إلى لبنان، واتخاذ الإجراءات اللازمة لضمان عدم تشكيلهم أي خطر عليه، وحق لبنان بمنعهم من دخول أراضيه.

سادساً: لم يقدّم الجانب السوري أي طلب رسمي بخصوص موقوفين لبنانيين من أنصار الحكم الجديد في دمشق، وما جرى تداوله حول إثارة ملف الشيخ أحمد الأسير غير دقيق. وأشار الجانب السوري في جلسة جانبية إلى أن لبنان يجب أن يأخذ في الحسبان وجود موقوفين لبنانيين في سجونه، تم اعتقالهم على خلفية معارضتهم للنظام السوري السابق، وأن سقوط ذلك النظام يعني انتفاء السبب، مع نصيحة للبنان بإيجاد حل لهم.

على الصعيد العملي، يُراهن في بيروت على دور القاضي كلود غانم في معالجة الثغرات القانونية بعيداً من البُعد السياسي، نظراً إلى خبرته، خصوصاً في المحكمة العسكرية التي تدير الملف القانوني لغالبية الموقوفين والمحكومين السوريين. وتسعى دمشق في المقابل إلى فهم الأبعاد الشخصية والسياسية لموقف وزير العدل اللبناني، علماً أن الأخير ينفي أي نية لعرقلة الاتفاقية.

ومع ذلك، أشار نصار أمام الجانب السوري مرات عدة إلى أن بيروت تريد مساعدة سوريا في القبض على حبيب الشرتوني المطلوب قضائياً في لبنان، وتقديم معلومات عن الكتائبي بطرس خوند المفقود منذ أكثر من ثلاثين عاماً. وأكدت دمشق مراراً أنها لا تملك أي معلومات عن الشخصين ولم تعثر على أي أثر لهما في أراضيها.

نصار: يجب الفصل بين المحكومين والملاحقين

تعرّض وزير العدل عادل نصّار لحملة تداخلت فيها الاعتبارات التقنية بالسياسية، وجرى تصويره على أنّه يعرقل التوصّل إلى تسوية سريعة مع السلطات السورية، وهو ما نفاه نصّار، مؤكداً لـ«الأخبار» أنّه، خلافاً لكل ما يُقال، «إيجابي ومنفتح على التعاون مع السلطات الجديدة في دمشق»، وواصفاً اجتماعاته مع المسؤولين السوريين بأنّها كانت جيدة.

وأضاف: «الجميع يعرف موقفي من النظام السابق، وأفهم خلفية بعض المطالبات السورية، لكن المسألة تتعلّق بآليات قانونية يجب العمل عليها. كل ما قمتُ به هو إعداد مسوّدة اتفاقية قضائية لمعالجة ملف المحكومين أو الملاحقين من السوريين في لبنان. وشرحت للجانب السوري أنّ الاستعجال في هذا الملف لا يرتبط بقرار إداري، بل يحتاج إلى موافقات سلطات ليست من ضمن اختصاصي».

وأقرّ نصّار بوجود ملاحظات سورية، وبأنّ دمشق ترفض رهن الملف بإنجاز قانون خاص في مجلس النواب اللبناني، لكنه اعتبر أنّ الأمر «يندرج في إطار سوء فهم، لأن السوريين طالبوا بجمع حالتي المحكومين والملاحقين، في حين أنّ هناك فرقاً واضحاً بينهما. ففي حالة المحكومين، يمكن للحكومة عقد اتفاق لنقلهم إلى السلطات السورية من دون إصدار عفو عنهم، بحيث يمضي المحكوم بقية مدة حكمه في السجون السورية، من دون أن يُعدّ ذلك تدخلاً في السيادة السورية أو فرضاً لكيفية التعاطي مع قرار النقل».

spot_img
spot_img

شريط الأحداث

مقالات ذات صلة
spot_img
spot_img