| جورج علم |
تلقى المسار الدبلوماسي جرعة مقويّات: زيارة البابا لاوون الرابع عشر إلى لبنان. تعيّين السفير السابق سيمون كرم رئيساً للوفد اللبناني في لجنة “الميكانيزم”. زيارة أعضاء مجلس الأمن الدولي، وما لها، وما عليها حول القرار 1701، ومصير قوات “اليونيفيل” التي بدأت تحزم حقائبها إيذاناً بالرحيل.
لم ينطبق على زيارة البابا خبر كان، بل ما سيكون. زيارة منسّقة مع واشنطن، وبعض عواصم دول القرار، لها أهدافها الآنيّة بمنع “إسرائيل” من إعادة لبنان إلى العصر الحجري، كما لها أهدافها المستقبليّة حول أي لبنان سيكون؟ وأي دور ووظيفة؟
وإنتهى الدوّي الصاخب الذي أحدثته الزيارة، بكشف النقاب عن تعيين مدنيّ رئيساً للوفد اللبناني المفاوض ضمن لجنة “الميكانيزم”. وتردّد أن القرار قد بحثه رئيس الجمهوريّة جوزاف عون مع وزير الخارجيّة الأميركي ماركو روبيو، عندما إلتقيا في نيويورك، في أيلول الماضي، على هامش إجتماعات الدورة العاديّة للجمعيّة العامة للأمم المتحدة.
وعلى وقع الصخب الداخلي الذي أحدثه قرار التعيّين، كانت بيروت الرسمية تستقبل أعضاء مجلس الأمن الدولي، في زيارة لها دلالات، وتترتّب عليها حسابات.
وبالمختصر المفيد، يقف لبنان عند شفير تحوّل مصيري.
المسار الحربي إنتهى. وليس بمقدوره مواجهة آلة الموت الآميركيّة المتطوّرة التي تستخدمها “إسرائيل” في إعتداءاتها على جنوبه، وبقاعه، وضاحية عاصمته الجنوبيّة. وكلّ كلام حول المواجهة، إنما هو شكل من أشكال المزايدات التي سقطت أقنعتها بعد العودة المكلفة، والباهظة الثمن من “حرب الإسناد”.
بقي المسار الدبلوماسي، وقد تلقى جرعة دعم لا يستهان بها. زيارة البابا. زيارة أعضاء مجلس الأمن الدولي. وتعين مدنيّ رئيساً للوفد العسكري اللبناني المفاوض. حلقات ثلاث تتفاعل. وبقيت رابعة مجهولة، يختصرها سؤال: إلى ما سيؤدي هذا المسار؟ وما هي النتائج المتوقعة من مفاوضات “الميكانيزم”؟
حدّد الرئيس نبيه برّي السقف اللبناني التفاوضي، ودعمه بمطالب محقّة، منها: تطبيق إتفاق وقف إطلاق النار، ووقف الإعتداءات الإسرائيليّة، والإنسحاب من المواقع اللبنانية المحتلة، وتطبيق القرار الدولي 1701، وترسيم الحدود وفق إتفاقية الهدنة، والإفراج عن الآسرى المحتجزين.
إلاّ أن السقوف الأخرى، من أميركيّة وإسرائيليّة وأوروبيّة وعربيّة وإيرانيّة، تبقى مجهولة، كونها متباينة، وتتحكّم فيها لعبة المصالح.
طمأن البابا اللبنانيّين حول مسألتين:
• إن الـ10452 كيلومتراً مربعاً باقية، وليس هناك من إنتقاص أو من تلاعب بخريطة الكيان اللبناني، على الرغم من كل الضغوط والمؤامرات المتلاطمة حوله من كل حدب وصوب.
• إن صيغة العيش المشترك، باقية، كونها مصدر قوّة هذا البلد، وديمومته. إن لبنان “وطن ـ الرسالة”، حاجة للآخرين، قبل أن يكون حاجة لأهله. وهذا ـ بنظر الفاتيكان ـ أمر محسوم.
بقي معرفة النظام، وكيفية معالجة حالة العقم التي يعاني منها، والتي لم تمكّنه ـ منذ الإستقلال ـ من بناء الدولة القويّة، القادرة، والعادلة، والمنفتحة. دولة القضاء، والقانون، والمحاسبة، والمؤسسات التي تدين بالولاء إلى الدستور، والديمقراطيّة الحقة، بديلاً عن ديمقراطية الفساد التي تتبرّج بشعار “الديمقراطيّة التوافقيّة”.
وبقي معرفة السيادة. هل ستكون ناجزة، أم متطابقة وفق مقتضيات الأغراض، وتفاهمات توزيع المصالح؟!
إن الغموض مبرّر، وقد بدأت رقعته بالإتساع بعد زيارة وفد مجلس الأمن الدولي، الذي زرع علامات إستفهام كثيرة على جنبات الطريق الذي سلكه من نيويورك، إلى تل أبيب، فبيروت.
إنها المرّة الأولى التي يزور فيها وفد أممي على هذا المستوى العاصمة اللبنانيّة منذ 19 أذار 1978، تاريخ إنتداب قوات “اليونيفيل” إلى الجنوب. فلماذا الآن، بعد طول الغياب؟ وما هي الأغراض والخلفيات؟ هل تخلّى مجلس الأمن عن القرار 1701 لمصلحة قرار آخر هو قيد الإعداد طبقاً لما سينتهي اليه المسار الدبلوماسي من إتفاقات، وتفهمات؟ ولماذا فشل مجلس الأمن طوال كل هذه السنوات من تنفيذ القرارات التي إتخذها حول لبنان، بدءاً بالقرارين 425 و 426 (آذار 1978)، وصولاً إلى القرار 1701 (آب 2006)؟
لقد انتدب قوات دولية من بلدان وجنسيات عدة تعتمر القبعات الزرق، المعروفة بـ”اليونيفيل”، لتنفيذ هذه القرارات، أو “لمساعدة الدولة اللبنانيّة على وضعها موضع التنفيذ”، لكن، ومع مرور كل تلك السنوات بقيت حبراً على ورق!
وتتزامن الزيارة أيضا مع مؤشرات ثلاث لا تدعو إلى الإرتياح:
– غياب أي نفوذ أممي، وأيّ دور ضاغط على “إسرائيل” التي لا تعير وزناً للمنظمة الدوليّة، ومؤسساتها، والقرارات الصادرة عنها.
– تجاهل “إسرائيل” للقرار 1701، وعدم الإعتراف به، وبمفاعيله.
– زيارة وفد مجلس الأمن إلى كلّ من بيروت وتل أبيب في وقت بدأت فيه الأمم المتحدة بتقليص عديد قواتها
في الجنوب، تنفيذاً لقرار حصر النفقات، وأيضاً في وقت بدأت فيه هذه القوات حزم حقائبها تمهيداً لمغادرة لبنان نهائياً العام المقبل، من دون أن تتمكّن من إنجاز المهام التي أنتدبت من أجلها.
وإستتباعاً، بادر الوفد الأممي إلى بحث موضوع القوّة البديلة التي ستحل مكان “اليونيفيل”، والدول التي يمكن أن تشارك فيها، والصلاحيات التي ستسند لها؟ ومدى تأثيرها على القرار السياسي ـ السيادي في بيروت…
لقد وعد بنيامين نتنياهو أعضاء الوفد بأن يقدّم لائحة بالدول التي بوسعها أن تشارك في القوة التي ستحلّ مكان “اليونيفيل”، والصلاحيات التي يفترض أن تتمتع بها، وهذا يتوقف على مسار المفاوضات، وما ستنتهي إليه من نتائج.
ومن الآن، وحتى يصبح الفول في المكيول، لا أحد يستطيع أن يتنبأ بالمسار الذي سيسلكه قطار المفاوضات، والمحطات التي سيجتازها، والحلقة المجهولة المواصفات التي سيبلغها يوماً، برعاية أميركيّة!
للانضمام إلى مجموعة “الجريدة” عبر “واتساب”، إضغط على الرابط
https://chat.whatsapp.com/KcTcdtSlZ5a0SaZPTZsoiV?mode=ems_copy_c














