شهدت الولايات المتحدة وعدد من الدول الغربية ظاهرة تُعرف باسم “الحمل الوحشي” “wild pregnancy”، وهي حركة تشجع النساء على خوض الحمل والولادة من دون أي متابعة طبية، بدعوى “العودة إلى الطبيعة” و”استعادة الحكمة الأنثوية”.
وروجت لهذه الممارسات سيدتان تحولتا إلى مؤثرتين على منصات التواصل الاجتماعي، إذ باتتا تشجعان النساء على رفض الفحوصات الطبية، وتجاوز الاستشارات، والاعتماد على “الحدس” في خوض الحمل.
وقد أجرت صحيفة “ذا غارديان” البريطانية، إثر تصاعد الجدل، تحقيقًا استقصائيًا امتد عامًا كاملًا، متوصلةً فيه إلى أن هذه الحركة “لم تعد مجرد فلسفة بديلة”، بل تحولت إلى مشروع تجاري ضخم يدرّ ملايين الدولارات، بعد أن بدأت “القائدتان” في بيع دورات تدريبية واستشارات روحية بأسعار مرتفعة، تصل إلى آلاف الدولارات للمرأة الواحدة.
وقد أنشأت المؤثرتان مجموعات مغلقة على “إنستغرام” و”تيك توك” تضم آلاف المتابعات، وعرضتا برامج تعتمد على التأمل والروحانيات، واعدةً النساء بأن الحدس وحده قادر على قيادة عملية الولادة دون تدخل طبي، بحسب التحقيق.
وقدرت تقارير صحفية أن أرباح هذا النوع من المحتوى تجاوزت 7 ملايين دولار خلال عامين، بينما وصفت نقابات طبية هذا التوجه بأنه “عودة خطيرة إلى ما قبل الطب الحديث”.
يُعتبر مجتمع “الولادة الحرة” “Free Birth Society – FBS” في ولاية “نورث كارولينا” الأميركية من أكثر الجهات تأثيرًا في نشر فكرة الولادة دون إشراف طبي.
وقادت هذا المجتمع المدونتان إميلي سالدايا ويولاند نوريس-كلارك، اللتان تحولتا إلى مؤثرتين عالميتين عبر بودكاست المؤسسة، الذي حصد ملايين التنزيلات.
وباعت المؤسسة دليلًا مصورًا للولادة المنزلية دون قابلة، إلى جانب عضويات مدفوعة ومدارس إلكترونية لتدريب ما تسميه “القابلات الأصيلات” و”حارسات الولادة”، برسوم تصل إلى 12 ألف دولار للدورة الواحدة.
واستطاعت “ذا غارديان” أن تقدر، أن مجتمع “الولادة الحرة” حقق منذ 2018 أكثر من 13 مليون دولار من الإيرادات،مشيرةً البيانات إلى تخرج نحو ألف طالبة من مدرسة “حرّاس الولادة الأصولية” “Radical Birth Keeper”، إضافة إلى معهد “ماتري بيرث ميدوايفيري” “MatriBirth Midwifery”، وهو برنامج سنوي عبر الإنترنت، بلغت كلفته 12 ألف دولار.
وأتى هذا الانتشار مستفيدًا من التراجع المتزايد في الثقة بخدمات الأمومة التقليدية، سواء بسبب قصص الإهمال الطبي أو العنف التوليدي في بعض المرافق.
ووفقًا للصحيفة البريطانية، فإن سالدايا ونوريس-كلارك تستغلان هذه المخاوف، وتشنّان هجومًا مباشرًا على الأطباء والممرضات، متهمتين إياهم بـ”تخريب” الولادات و”الاعتداء على النساء”، وباستخدام تدخلات تضر المرأة أكثر مما تفيدها.
وقالت “ذا غارديان” إن القائمين على التحقيق راجعوا مئات الساعات من فيديوهات مجتمع “الولادة الحرة”، وآلاف الصفحات من سجلات طبية وبيانات قانونية، وأجروا مقابلات مع أكثر من 60 أمًا تأثرن بتوجيهات الحركة.
وكشف التحقيق عن 48 حالة ولادة انتهت بوفاة الجنين أو إصابات خطيرة للأمهات في دول متعددة، من الولايات المتحدة إلى كندا وفرنسا وسويسرا والهند وجنوب أفريقيا وأستراليا والمملكة المتحدة.
أكدت أمهات، في 18 حالة، أن قراراتهن أثناء الولادة كانت نتيجة مباشرة لتعليمات الحركة.
وقد تعثر مخاض غابرييل لوبيز من ولاية بنسلفانيا الأميركية، بيما كانت تمارس “الولادة الحرة”، ما أدى إلى إصابة طفلها بضرر دماغي دائم، بينما كانت تتلقى نصائح عبر الإنترنت تطالبها “بالانتظار والصبر” وعدم الذهاب إلى المستشفى.
وقد أجمع 4 خبراء طبيين راجعوا محتوى “الولادة الحرة” على أن المؤسسة تقدم مواد “خطيرة” وغير علمية، بحسب الصحيفة، مشيرين إلى أمثلة صادمة، منها:
الادعاء بأن قطع الحبل السري لا ينطوي على أي خطر للعدوى.
تعليمات خاطئة للتعامل مع حالة عسر ولادة الكتف، وهي حالة قد تودي بحياة الجنين خلال دقائق.
الدعوة إلى نهج “سلبي” في إنعاش الأطفال حديثي الولادة، رغم أن التأخر في التدخل يؤدي إلى تلف عصبي طويل الأمد أو الوفاة.
وقال الأطباء إن مضاعفات مثل تسمم الحمل، والنزيف الحاد، وتعسر المخاض، تحتاج إلى تدخل طبي فوري، وإن استخدام نصائح الحركة بدلا من الطب قد يكون قاتلًا في غضون دقائق.
وقد واصلت قائدات الحركة الدفاع عن مشروعهن، بالرغم الانتقادات المتزايدة،ممتنعات عن الرد مباشرة على استفسارات الصحيفة، قبل أن تنشرا لاحقًا توضيحًا عبر “إنستغرام” تقولان فيه إن محتواهما “تعليمي فقط”.
ووصفت نوريس-كلارك، وفي منشور آخر، منتقديها بأنهم “فاشلون مثيرون للشفقة”، وقالت إن مجتمع “الولادة الحرة” من أكثر “الأعمال أخلاقية التي يمكن أن يديرها المرء”.
واتهمت سالدايا الصحافة بـ”التضليل”، قائلة: “هذا ما يعنيه أن تكون مخربا… سيحاولون تشويه سمعتك، وسيكذبون عليك، وسيحاولون إسكات ما لا يفهمونه”.
وكما رأى الخبراء أن انتشار هذه الحركات يعكس أزمة ثقة حقيقية في أنظمة رعاية الأمومة، لكنها في الوقت نفسه تُظهر -بصورة خطيرة- سهولة تحويل القلق البشري إلى تجارة مربحة تعتمد على التأثير العاطفي والروحاني.
وأكد الأطباء أن أي نقد للنظام الطبي لا يبرر التخلي الكامل عن المتابعة الصحية خلال الحمل، خاصة أن معظم المضاعفات لا تظهر إلا عبر فحوصات مخبرية وصور طبية قد تنقذ حياة الأم وطفلها.
وازداد عدد الدعوات لفرض رقابة قانونية على هذا النوع من المحتوى، خاصة عندما يؤدي إلى قرارات قد تكون مميتة، مع استمرار الحركة في التوسع.













