الخميس, فبراير 26, 2026
spot_img
spot_img
الرئيسيةSlider"قوى التغيير" بين 17 تشرين و 31 أيار.. "سقطة" في الاختبار الأول!

“قوى التغيير” بين 17 تشرين و 31 أيار.. “سقطة” في الاختبار الأول!

spot_img
spot_img
spot_img
spot_img

/محمد حمية/

يكاد يكون دخول قوى “المجتمع المدني” إلى المجلس النيابي الجديد، هو عنصر التغيير الوحيد الذي حرّك جمود البرلمان وبعّثر خريطته السياسية التقليدية، رغم الحجم المتواضع لهذه القوى نسبة لحجم “انتفاضة” 17 تشرين 2019.

شكّلت هذه الحالة التغييرية محط رهان وآمال الكثير من اللبنانيين الطامحين لكسر “النظام الطائفي”، وسيطرة وسطوة الأحزاب على مفاصل الدولة وسياساتها العامة، فهلّل اللبنانيون لهذه الكتلة التغييرية التي تسلّقت على “موجة 17 تشرين” وتسلّلت الى “مجلس الشعب”، وتوسموا خيراً بقدرتها على إحداث خرقٍ نوعي في جدار المجلس.. فكانت الأنظار موجهة إلى نوابها خلال أولى جلسات المجلس النيابي ليكونوا نجوم “ساحة النجمة” ولاحقتهم عدسات الكاميرات لرصد أدائهم ومواقفهم إزاء أول استحقاق واختبار ميداني.

فهل نجح نواب التغيير في امتحان 31 أيار؟

لعل تعثُّر نواب “المجتمع المدني” في الاختبار الأول، فاجأ أحزاب السلطة قبل المواطنين الذين وصلت أصداء اعتراضاتهم وخيبات أملهم إلى قاعة المجلس التي سادها هرج ومرج بسبب سجالات قانونية ـ دستورية بالجملة، وبدا “التغييريون” كطلاب في “مدرسة المشاغبين” لإثارة الضوضاء والصخب والتشويش على “الأستاذ” وزملاء الدراسة، فتحولوا إلى قنبلة صوتية لا كتلة تصويتية.

إضافة الى التوتر والضياع وقلة الخبرة في العمل البرلماني، كان التشتت السّمة الغالبة على أركان “الفريق التغييري”، فالخلافات عصفت به منذ الاجتماع الاول في أحد فنادق “بدارو” لبحث استحقاقات الجلسة الأولى، فتم إسقاط أحد أبرز أعضائه نقيب المحامين السابق النائب ملحم خلف لمجرد شبهة علاقته مع رئيس المجلس نبيه بري، فيما صوتوا للنائب غسان سكاف الذي ترشح وفاز على لائحة الحزب “الاشتراكي” في دائرة البقاع الغربي، وكان أيضاً مرشح كتلة “اللقاء الديمقراطي” لنائب الرئيس!

انسحاب النائب فراس حمدان من انتخابات أمناء السر لصالح مرشح “الاشتراكي”، بحجة غير مقنعة (رفض الترشح وفق التقسيم الطائفي)، علماً أنه ترشح للانتخابات النيابية وفق قانون الانتخاب الطائفي!

وتحولت “مجموعة التغيير” الى كتلة متشظيّة فقدت دورها كقوة وازنة ومرجحة وقادرة على لعب دور حاسم شبيه بالدور الذي لعبته كتلة “إنماء عكار” ـ والنواب المتحدرين من تيار “المستقبل” الذين كان دورهم حاسماً بفوز بري وأبو صعب معاً، لكن وظيفة كتلة “التغييريين” كانت أشبه بـ”وحدة إسناد” لقوى حزبية كـ”القوات اللبنانية” و”الاشتراكي” وبعضها لبري وأبو صعب.

ظهرت النائب بولا يعقوبيان كمرشدة للنواب التغييريين وقائدة “الأوركسترا”، فاتحة أول اشتباك في الجلسة مع الرئيس بري حول تلاوة الأوراق الملغاة، وكاد يتوسع لولا احتواء بري الموقف.

أُتيحت لهذه القوى فرصة نادرة للتوحد في وجه السلطة لقيادة حركة تغييرية حقيقية من داخل المؤسسة الأم، تنطلق من شعارات واقعية وقابلة للتحقق، لا الشعارات الكلامية الرنانة والعناوين الفضفاضة التي ملأت بها الساحات، وبالتالي فرض نفسها منذ البداية لمراكمة مصداقية واكتساب ثقة عند الناس أولاً، وإجبار السلطة بأن تحسب لها ألف حساب ثانياً.

وكان يمكن لهذه “القوة النيابية” استقطاب عدد من النواب المستقلين، وعقد تفاهم مع رئيس المجلس لمقايضة التصويت لبري ولنائب الرئيس، مقابل دعم “الثنائي الشيعي” لنيلها رئاسة بعض اللجان النيابية الحيوية التي تعتبر مصنع المشاريع والقوانين الإصلاحية، وبالتالي فتح أحد أبواب التغيير التشريعي، كلجنة الإدارة والعدل والمال والموازنة، وهم كانوا يعرفون مسبقا صعوبة إسقاط بري ولا حتى انتخابه بشق النفس، وصعوبة فوز غسان سكاف في وجه الياس أبو صعب الذي يحظى بدعم “الثنائي” و”التيار” وحشد نيابي من كتل مختلفة.. فلماذا فضلوا الخسارة الكاملة والخروج من “مولد” الجلسة “بلا حمص” على ربح بعض اللجان الأساسية، بحجة رفض التعامل مع “النظام”؟ وهم يدركون أيضاً أنهم سيتعاونون مع هذا “النظام الحاكم” عاجلاً أم آجلاً، أكان في العمل البرلماني لتمرير قوانين، أو في القضايا التي تخرق ثغرات في النظام الطائفي، كإلغاء الطائفية السياسية.

لقد فات نواب “التغيير” الاعتبارات والحقائق التالية:

* أنهم باتوا داخل البرلمان وعليهم التقيد بأصول العمل البرلماني وما يجوز في ساحات الشارع لا يجوز في قاعة المجلس.

* أنهم يمثلون شريحة واسعة من اللبنانيين في الندوة البرلمانية والذين منحوهم أصواتهم بناء على أهداف وأولويات، وعليهم ألا يفرطوا بهذه الأمانة في التمثيل والدور، وبالتالي أن يكونوا صوتهم لا صوت أحزاب أخرى أو جهات خارجية، وبالتالي الالتزام بإنجاز أولويات حقوق المواطنين ومعالجة أزماتهم الاجتماعية والاقتصادية واستعادة ودائعهم وتطوير النظام السياسي والاقتصادي، لا أن يكونوا وقوداً لشروط ومشاريع خارجية. مع الإشارة الى وجود عدد من النواب التغييريين لا يؤيدون شعارات قوى “المجتمع المدني” في قضايا استراتيجية مثل سلاح المقاومة، مثل الياس جرادي وشربل مسعد وأسامة سعد وعبد الرحمن البزري.

* أن التغيير يكون من داخل النظام وليس من خارجه، وبالتالي عليهم الانفتاح والتواصل مع الكتل النيابية الشريكة، وهم يدركون أن التغيير بوسائل الضغط والعنف والتدخل الخارجي وإسقاط النظام في الشارع أشبه بالمستحيل، وقد جُرب في 17 تشرين وقبله.. فالتغيير سيرورة متراكمة ضمن رؤية وخطة بعيدة المدى، وترجمتها الفعلية بمشاريع واقتراحات قوانين في مجلسي النواب والوزراء، يبدأ من تطبيق اتفاق الطائف، وتحديداً إقرار قانون انتخاب غير طائفي وفق النسبية الكاملة، وتشكيل الهيئة العليا لإلغاء الطائفية السياسية…

* أن المواطنين ينتظرون مواقف هذا الفريق من القضايا المطروحة التي شكلت محل انقسام بين اللبنانيين لعقود من الزمن، مثل إلغاء الطائفية السياسية، الزواج المدني، اللامركزية الإدارية، حاكم مصرف لبنان رياض سلامة والغطاء الكنسي له، السياسات الاقتصادية والمالية والنقدية المتحكمة باقتصاد لبنان منذ عقود، وغيرها من الملفات الأساسية.

سجلت قوى التغيير “سقطة” مدوية في بداية مشوارها.. فهل يؤسس هذا السقوط المبكر الى “سقطات” أخرى أكبر، أم تستدرك القوى الجديدة الأمر وتقوّم أدائها، وتعيد صياغة وظيفتها وأهدافها في اطار مشروع وطني يُساهم مع قوى أخرى في عملية الانقاذ الاقتصادي وتطوير النظام السياسي؟

حتى ذلك الحين لا يمكن عقد الرهان والآمال على هذه القوى التي قدمت نفسها على أنها تغييرية حتى إثبات العكس.

 

spot_img
spot_img
spot_img

شريط الأحداث

مقالات ذات صلة
spot_img
spot_img