الخميس, فبراير 12, 2026
spot_img
spot_img
spot_img
الرئيسيةSliderعملية الـ"ألف متر من الدم" و"التفاوض بالنار".. جريمة بليدا مدخل إلى الخطة...

عملية الـ”ألف متر من الدم” و”التفاوض بالنار”.. جريمة بليدا مدخل إلى الخطة الكبرى

spot_img
spot_img
spot_img
spot_img

| زينة أرزوني |

في فجر ثقيل من فصول الجنوب، أطلّت “إسرائيل” على بلدة بليدا كما لو أنها تعود إلى مشهد مألوف في ذاكرتها الاستعمارية.. جنديٌّ مدجّج بالسلاح، يقتحم مبنى بلدية متواضع، فيجد أمامه صناديق حفاضات للأطفال، لا منصّات صواريخ، فيراها “أنشطة مريبة” تستدعي شن هجوم عسكري مكتمل العناصر على بلدة حدودية نائمة على جراحها.

هكذا، بمنطق الجنون الأمني، تحوّلت الحفاضات وعبوات الحليب إلى “تهديد” مباشر لأمن “إسرائيل”، والموظف البلدي إلى “هدف مشروع”.

جريمة قتلٍ بدم بارد، لم تكن حادثاً ميدانياً عابراً، بل رسالة سياسية مكتوبة بلغة الرصاص: هذه هي “إسرائيل” حين تضيق ذرعاً ببراءة المكان، فتقرر معاقبته على وجوده.

التوغّل الذي تجاوز الألف متر داخل الأراضي اللبنانية، وما رافقه من استباحة لسيادة الدولة، لم يكن حادثاً ميدانياً بلا سياق.

جريمة بليدا ليست معزولة… بل مدخل إلى الخطة الكبرى

العدو لم يكن يبحث عن “نشاط مريب” بل كان يرسل إشارة واضحة إلى بيروت مفادها أن العدوان سيتحوّل إلى وسيلة ضغط سياسي، وأن مرحلة “التحذيرات” انتهت.

فبينما كان موظف البلدية يُعدم ميدانياً داخل مكتبه، كانت الرسائل الدبلوماسية الأميركية تتقاطر على بيروت حاملةً مضموناً واحداً: “إمّا تفاوض مباشر مع إسرائيل برعاية واشنطن، لوضع جدول زمني لنزع سلاح حزب الله… أو سيُترك لبنان لمصيره”.

بهذا المعنى، لم تكن بليدا حادثة ميدانية، بل مقدمة لتفاوض بالنار، ورسالة من الحليف الأميركي لحليفه الإسرائيلي مفادها أن “الغطاء متاح” طالما أن الهدف هو تطويع لبنان وجرّه نحو طاولة المفاوضات التي طالما رفضها.

المبعوث الأميركي توم برّاك، الذي كان يتحضّر لزيارة بيروت، ألغى الزيارة في آخر لحظة طالما أنه يستطيع إرسال ما يريد من تهديدات إلى المسؤولين واللبنانيين عبر منصة “اكس”، فلماذا سيتكلف عبء السفر والتنقل، فهو لن يكون حاملا في جعبته أي جديد، فقد قدم للمسؤولين مقترحاً ديبلوماسياً قبل أيام، حمل بين سطوره إنذارا سياسياً أخيراً.

واشنطن، التي فشلت في احتواء تصاعد المقاومة بعد غزة، تريد أن تفتح في لبنان الجبهة التي تظنها الأسهل.

لكنها تفعل ذلك بذكاء بارد، تترك لـ”إسرائيل” تنفيذ الجزء القذر، وتكتفي هي بارتداء قناع الوسيط.

من هنا، تتحوّل كل جريمة إسرائيلية، كما في بليدا، إلى ورقة تفاوض، وكل دم لبناني إلى سطر إضافي في خطاب المبعوث الأميركي.

بين رصاص “إسرائيل” وصمت الداخل.. يُكتب مشهد لبنان المقبل

ما يثير الاستغراب أكثر من الجريمة نفسها، هو السكوت اللبناني الصارخ.

قوى سياسية اعتادت أن ترفع شعار “السيادة” عند كل خلاف داخلي، لكنها تصمت حين تُداس السيادة تحت أقدام الجنود الإسرائيليين.

لا بيانات، ولا مواقف، ولا حتى تغريدة خجولة… وكأنّ بليدا ليست بلدة لبنانية، بل “قرية حدودية في كوكب آخر”.

أما حين يتعلّق الأمر بالمقاومة، فتنفجر الأصوات وتُرفع الأصابع محاضِرةً في “احتكار العنف” و”سلطة الدولة”.

يا لسخرية المشهد: حفاضات الأطفال تستفز “إسرائيل”، لكن دماء الأبرياء لا تستفز الداخل!

رغم كل ذلك، لم يهتزّ وجدان الجنوب… الناس الذين سمعوا صراخ إبراهيم سلامة تلك الليلة، خرجوا صباحًا ليرفعوا صورته أمام مبنى البلدية المدمّر، كأنهم يقولون: “لن يُخيفنا من يقتل موظفاً أعزل في مكتبه”.

لبنان الرسمي قد يتردد، لكن لبنان الشعبي يعرف طريقه: “إسرائيل” لا تُردع بالبيانات، والمفاوضات لا تُجرى على جثة الكرامة.

إنه الجنوب الذي تَعوّد أن يدفن شهداءه ويواصل السير، لأنه يدرك أن خيار المقاومة لم يكن يوماً “ترفاً” بل ضرورة وجودية في وطن لا تحميه سوى إرادة ناسه.

ما جرى في بليدا لم يكن مجرد عدوان، بل صورة مكثّفة لهستيريا الاحتلال.

جيشٌ مدجّج يخاف من صناديق حفاضات، وحلفاء أميركيون يرون في جريمة القتل وسيلة ضغط سياسي، وطبقة سياسية محلية تكتفي بالتفرّج.

لكن وسط هذا المشهد الكاريكاتوري القاتم، يبرز مشهدٌ آخر، شعبٌ يُقتل فلا يساوم، يُستهدف فلا يتراجع، ويعرف أن من يرى في براءة الأطفال “تهديدا”، لا يفهم إلا لغة واحدة… المقاومة.

للانضمام إلى مجموعة “الجريدة” على “واتساب” إضغط على الرابط

https://chat.whatsapp.com/KcTcdtSlZ5a0SaZPTZsoiV?mode=ems_cop

spot_img
spot_img

شريط الأحداث

مقالات ذات صلة
spot_img
spot_img