| زياد أ. يمّين |
يوم بعد آخر، يخسر الإتحاد الأوروبي قدرته التنافسية والتصديرية مع الصين والهند وروسيا، جراء تخليه عن مصادر الطاقة الروسية الرخيصة، من نفط ومشتقاته وغاز مُسال، خاصة بعد تفجير خط أنبوب Nord Stream 2 من قبل أجهزة استخبارية بريطانية وأميركية. فها هما الصين والهند تزيدان من شراكاتهما الطاقوية مع موسكو (روسيا أصبحت الإقتصاد الرابع عالمياً)، ما سيرفع من صادراتهم في غالبية سلع الاستهلاك والتصنيع التي يحتاجها عالم ما بعد حرب أوكرانيا…
وتباطؤ أكبر 3 اقتصادات أوروبية، ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، يأتي في هذا السياق. فلندن تعاني من عجز في موازنتها العامة يصل إلى 82 بليون دولار، ما سيدفعها إلى التعويض عنه عبر فرض ضرائب على مواطنها العادي، مضعفة بذلك قوته الشرائية. أما باريس، فترزح تحت وزر أكبر دين في الإتحاد الأوروبي حيث بلغ 3 آلاف و740 بليون دولار، أي ما يعادل 112 % من الناتج المحلي، وهي نسبة تخطت بكثير نسبة الـ60% المسموح بها قانونياً للانتساب إلى عضوية الوحدة السوقية في أوروبا، ما يضغط الآن على إنفاقها العام. ففرنسا تعمل على عصر نفقاتها، سواء كان إنفاقاً حكومياً أو استثمارياً، مما يؤدي إلى هبوط في مستوى رفاهية مجتمعها. أما ألمانيا، وهي “قاطرة” الإقتصاد الأوروبي، فهي تعاني من انكماشات متتالية في اقتصادها منذ بدء الحرب الأوكرانية، وقد سجل انكماشاً بنسبة 03 % في 2023 و0.2 % في 2024، أما نسبة النمو منذ بداية 2025 وحتى آب الماضي فلم تسجل أكثر من 0.3 %، والأسوأ أنها ستزيد من إنفاقها الدفاعي بمبلغ 86.4 بليون يورو في 2026، وهذا المبلغ سيؤمن إما بالاقتراض الذي سيرفع من دينها العام، وإما بزيادة الضرائب على المكلف الألماني فتهبط معهما تقديماته الإجتماعية وتصل إلى النتيجة السلبية نفسها، كما في بريطانيا وفرنسا، دون أن ننسى أن الدول الـ3 الأخريات صاحبة الإقتصادات المحترمة أيضاً في جنوب أوروبا، إيطاليا وإسبانيا واليونان، هي أيضاً بلدان دائنة إذ يتخطى الدين العام فيها ناتجها القومي: إيطاليا بنسبة 137.7 %، إسبانيا 108.9 %، اليونان 153.6 %. والمحصلة ستكون هي ذاتها لناحية الآثار الإجتماعية، الحياتية والسياسية التي ستتأتى عن هذه الأرقام داخل مجتمعات هذه الدول، من شعور بالتململ والغضب، وإمكانية اللجوء إلى الشارع الذي سترتفع احتمالية اشتعاله ـ ولو تدريجياً ـ بين تظاهرة وأخرى وبين فترة وأخرى (علم الإجتماع السياسي والنفسي)، فتتحول، وبفعل تراكمات الأزمات المالية والمعيشية، شيئاً فشيئاً إلى انتفاضات قد تكون سلمية أو عنفية، ربما ستسقط حكومات تدعم في شرق ـ أوروبا حرباً لا فائدة استراتيجية وحيوية لها فيها وذلك على حساب جيب الفرد العادي…
ليس من الضروري أن تحصل ثورات دموية في أوروبا قريباً، ولكن المؤشرات المالية التي تشهدها تشي بأن رأيها العام السياسي (سقوط الحكومات في فرنسا) سيتغير تجاه كل التنظيمات السياسية الحاكمة حالياً، ما يؤشر إلى “ربيع أوروبي” على الطريق، بسبب سياسات تفقرهم تدريجياً. والأنكى مسألة “عسكرة أوروبا” من جديد عبر رفع ميزانياتها الحربية بحجة الدفاع ضد “عدو وهمي” (روسيا) غير موجود أصلا الا في عقول الساسة الأوروبيين الحاليين!.













