| جورج علم |
كان الإمتحان صعباً، والنتائج مخزيّة، وكل الكلام حول إستعادة قرار الحرب والسلم، وبناء الدولة القويّة القادرة، سقط عند صخرة الروشة. الدول الشقيقة والصديقة أدركت عمق الهوّة، ومدى التباعد بين المكونات. لم تعد المسألة مقتصرة على حصريّة السلاح، بل على أي لبنان؟ وأيّ نظام؟ وأيّ دور ووظيفة؟
حاول الرئيس نواف سلام الهروب إلى الأمام، لكن على حساب مصداقيته، وبدلاً من أن يعتذر الشيخ نعيم قاسم بعد مسرحيّة “عرض العضلات” عند صخرة الروشة، راح يهدّد ويتوعّد المطالبين بحصر السلاح!
من هم المطالبون بحصر السلاح؟
الدولة بتراتبيتها ومؤسساتها، من رئاسة الجمهوريّة، إلى رئاسة الحكومة، إلى مجلس الوزراء، إلى الأكثريّة في مجلس النواب، إلى سائر المؤسسات الرسميّة… كل هذا التدرّج الهرمي الرسمي يطالب بحصر السلاح، ووحده الشيخ نعيم قاسم يهدّد بمواجهة كلّ هؤلاء، دفاعاً عن سلاحه.
إختار وجهة جديدة لهذا السلاح، لم يعد موجها ضدّ “إسرائيل” بقدر ما هو موجّه ضدّ الداخل. وهو من خلال مواقفه إنما يريد إستدراج “إسرائيل”، وهي ليست بحاجة إلى “أسباب موجبة”، لأن “سيناريو اليوم التالي”، وفق مخططها، يهدف إلى إحتلال الجنوب حتى الليطاني، والعبور من سوريا نحو البقاع، ومحاصرة “بيئة الحزب”، ودفعها نحو الداخل بحثاً عن ملاذات جديدة، وبقوّة السلاح، حتى لو أدى ذلك إلى فتح الأبواب وسيعة على حروب طائفيّة ومذهبيّة، تغرق لبنان نهائيّاً في الجحيم.
مشروع الشيخ نعيم واضح. يريد من مجلس الوزراء أن يتراجع عن القرارات الذي إتخذها في جلستي 5 و7 آب الماضي. أي يريد أن يكون القرار له، وليس للدولة. وقد رفع منسوب الإعتراض إلى التهديد بالمواجهة لإسقاط تلك القرارات عن طريق القوّة، خصوصاً ما يتعلق بحصريّة السلاح، مع تكرار المعزوفة المعروفة “السلاح لمواجهة إسرائيل، والدفاع عن لبنان”، علماً بأن صولات وجولات هذا السلاح قد كلّفت لبنان غالياً، ولا تزال، والنتيجة كانت تدمير غالبية المدن والقرى في الجنوب، وإحتلال خمس نقاط إستراتيجية، والإستجارة بـ”الأخ الأكبر” للتوصل إلى وقف لإطلاق النار، بعد تدمير الضاحيّة، وسقوط رهط من الشهداء!
يقول دبلوماسي عربي في مجلسه: “ربما الشيخ نعيم قد رفع من وتيرة خطابه بعدما تلقّى دعماً ماديّاً ومعنويّاً من إيران، وقد إغتنم حضور الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني، ليوجّه رسائل مباشرة إلى القيادة الإيرانية التي تواجه فصلاً جديداً من العقوبات الأميركيّة ـ الأوروبيّة الضاغطة على إقتصادها المأزوم”.
وكان لاريجاني صريحاً في إعلان مواقفه في عقر الدولة، وعلى مسامع المسؤولين، وفي حضن مؤسساتها الرسميّة، حول رفض طهران لحصريّة السلاح. وتحريض “الحزب” على التمسك به، مع وعد بإستمرار الدعم بالمال، وعتاد القتال.
يُقال إن الرئيس سلام كرّر على مسامع لاريجاني، عندما إستقبله، موقف الحكومة من السلاح غير الشرعي، مطالباً بعدم التدخل في شؤون لبنان الداخليّة. لكن المسؤول الإيراني لم يبالِ، إذ ليست المرّة الأولى التي يستمع فيها إلى مثل هذه المواقف التي لم يحترمها، ولم تلق عنده آذانا صاغية، بل تجاهلها تماماً، وقال ما يريد قوله، وأكدّ موقف دولته إن لجهة دعم “الحزب”، أو لجهة التمسّك بسلاحه.
ووسط هذه الدوّامة، يتنصّل الأميركي من إلتزاماته تجاه إتفاق وقف إطلاق النار. لقد أعلنها توم برّاك صريحة “لن تضغط الولايات المتحدة على إسرائيل للتقيد بأحكامه، وعلى لبنان أن يحاور للوصول إلى حلول تعيد له سيادته على أراضيه”!
أسقط برّاك كل الأقنعة. كان الإعتقاد السائد في الوسط اللبناني أن آموس هوكشتاين الذي هندس الإتفاق، قد تحدّث عن “ضمانات أميركيّة” لوضعه موضع التنفيذ. وشكّلت لجنة برئاسة جنرال أميركي وآخر فرنسي للسهر على حسن تطبيقه، لكن السيدة مورغان أورتاغوس قد نسفت مهامها، وحوّلتها إلى فريق عمل تفاوضي بين لبنان و”إسرائيل” بحضورها، وإشراف الأمم المتحدة، وفرنسا.
حتى برّاك قد كرّس هذا الواقع عندما عاد يوماً من تل أبيب إلى بيروت، ليبلغ المسؤولين بأن “إسرائيل” لن تمتثل، ولن تنسحب، ولن توقف إعتداءاتها إلاّ بعد ان يتخلّى “حزب الله” عن سلاحه في كل لبنان، وليس فقط في منطقة جنوب الليطاني!
وردّ الشيخ نعيم قاسم في خطابه الأخير مؤكداً إسترجاع الحزب عافيته القتاليّة، وإصراره على مواجهة الذين يحاولون النيل من سلاحه، ومشروعه الخاص، تحت عنوان الدفاع عن لبنان!
والمشروع هذا ـ وفق ما هو متداول في كواليس دبلوماسية غربيّة ـ يحمل عناوين ثلاثة:
أولاً ـ الوقوف إلى جانب طهران في مواجهتها مع الغرب الأميركي ـ الأوروبي في معركة العقوبات الجديدة التي فرضت عليها “سناب باك”.
ثانياً ـ التمسّك بقرار الحرب والسلم في لبنان، وخير دليل إمتحان صخرة الروشة، حيث سقطت إرادة الدولة، وإنتصرت إرادة الحزب.
ثالثاً ـ أن يكون الحزب إلى طاولة المفاوضات، إما مباشرة، أو بالوكالة، عندما تتوافر الظروف، وتفرض الوقائع نفسها على أرض الواقع.
يطالب الشيخ نعيم الدولة بالبدء الفوري بإعمار الجنوب. فيما “إسرائيل” تقول: “لا إعمار قبل إبرام إتفاق سلام”!
بماذا يجيب الحزب؟
الكرة في ملعبه! وتمسّكه بالسلاح يدفع بشركائه في الوطن إلى الإقتداء!
للانضمام إلى مجموعة “الجريدة” على “واتس اب” إضغط على الرابط
https://chat.whatsapp.com/KcTcdtSlZ5a0SaZPTZsoiV?mode=ems_copy_c













