| ناديا الحلاق |
بعد مرور أكثر من خمس سنوات على بداية الانهيار المالي في لبنان، لا يزال ملايين المودعين عالقين في حلقة مفرغة من الوعود، التصريحات، والخطط غير المنفذة. ومع كل يوم يمر، يتجدد السؤال في أذهان اللبنانيين: هل سنستعيد ودائعنا؟ وإن عدنا بها، فهل ستعود بقيمتها الحقيقية، أم برماد الذكريات؟
ودائع محتجزة.. وأمل مؤجل
منذ أواخر عام 2019، جمّدت الودائع المصرفية في لبنان بطريقة غير رسمية. البنوك أغلقت أبوابها مؤقتاً، ثم فتحتها بشروط صارمة، مترافقة مع قيود على السحب والتحويل، خصوصاً بالدولار. وعلى الرغم من غياب قانون “كابيتال كونترول” رسمي حتى وقت قريب، فإن المصارف تطبقه فعلياً.
وتبلغ قيمة الودائع المحتجزة في النظام المصرفي اللبناني حوالي 80 مليار دولار، يملكها أكثر من مليون مودع، فيما تعجز المصارف عن سدادها، بسبب غياب السيولة والخسائر الكبيرة التي لحقت بها بعد تبخر أموالها لدى مصرف لبنان، نتيجة سياسات مالية اعتُبرت لاحقا غير مستدامة.
تصريحات مطمئنة من دون تنفيذ!
خلال الأشهر الماضية، عاد الملف إلى الواجهة مع تصريحات متكررة من المسؤولين. فقد أعلن وزير الاقتصاد أن المودعين “لن يخسروا ودائعهم”، وأن هناك خطة ثلاثية المراحل لاسترجاع الأموال تدريجياً، تبدأ بصغار المودعين، أي أولئك الذين يملكون أقل من 100 ألف دولار.
وزير المالية ياسين جابر أكد بدوره أن الدولة تعمل على آلية “عادلة” لإعادة الحقوق، لكن من دون تحديد جدول زمني واضح، وسط تساؤلات حادة حول مصادر التمويل، خصوصاً أن إعادة هذا المبلغ (80 مليار دولار) تتطلب موارد غير متوفرة حالياً، في ظل اقتصاد مشلول، وعجز مالي، وانعدام ثقة المستثمرين.
جمعية المودعين: الوعود لا تطعم جائعاً
في اتصال خاص لموقع “الجريدة” بجمعية المودعين أكدت أنها ترفض ما تسميه “خطط التسوية الناعمة”، معتبرة أن “السلطة تسعى لإقفال ملف الودائع عبر تحميل الخسائر للمودعين وحدهم، فيما تنجو المصارف وكبار المتورطين من أي محاسبة”.
وقالت الجمعية: “نحن من تحمّل الخسائر. لا أحد غيرنا. ودائعنا مجمّدة منذ أكثر من خمس سنوات، قيمتها تآكلت، وسحبها يجري وفق تعاميم مجحفة، وبهيركات تتجاوز 85%. بينما الدولة تتفرّج، والمصارف تتحايل، والسياسيون يكذبون”.
وأضافت: “نحن كمجموعة مدنية نجحنا بتحريك دعاوى قضائية وفضح الممارسات، بينما البرلمان بأكمله، بلجانه ونوابه، لم يتمكن حتى من مساءلة حاكم مصرف لبنان السابق أو الحالي، أو إقرار قانون كابيتال كونترول يحمي أموال الناس”.
وهاجمت الجمعية أيضاً المقترحات الأخيرة التي تداولها بعض النواب حول تحويل جزء من الودائع إلى سندات طويلة الأجل، أو إلى أسهم في صناديق استثمارية، قائلة إن ذلك بمثابة “جريمة موصوفة لتصفية أموال الناس وتذويبها ضمن حلول خادعة”.
خطط الحلول.. هل هي قابلة للتطبيق؟
الخطط المطروحة حاليًا، سواء من الحكومة أو من صندوق النقد الدولي، تشمل إعادة هيكلة المصارف، وتوزيع الخسائر بين الدولة، مصرف لبنان، المصارف التجارية، والمودعين. لكن، وعلى أرض الواقع، لا شيء يوحي بأن العدالة ستتحقق في هذا التوزيع.
في الوقت الذي تتحدث فيه بعض الأطراف عن حماية صغار المودعين، تُطرح تسويات معقدة تهدد بتبخر جزء كبير من الأموال، خاصة للحسابات المتوسطة والكبيرة، التي تشكل الشريحة الأكبر من الطبقة الوسطى، والمهنيين، والمغتربين.
وتقدّر بعض الدراسات أن استرجاع الودائع كاملة، حتى على مراحل، يتطلب أكثر من 37 مليار دولار نقدي على الأقل، وهو رقم لا تملك الدولة أي خطة واضحة لتوفيره.
في الشارع، يشعر المودعون بأن لا شيء تغيّر. لا خطة فعلية، لا جدول زمني، ولا مسؤوليات محددة. وفيما تُنظّم بعض الوقفات الاحتجاجية أمام المصارف أو البرلمان، تبقى الحركة الشعبية من دون زخم واسع، وكأن الناس أُنهكوا من المطالبة، أو فقدوا الأمل.
أما جمعية المودعين، فترى أن المرحلة المقبلة تتطلب تصعيداً قانونياً وإعلامياً، وتدعو المودعين إلى عدم الرضوخ لأي تسوية، أو تسويق إعلامي يوحي أن الأمور تحت السيطرة.
وتقول الجمعية: “ما زلنا في المربّع صفر، لا خطة ذات مصداقية، ولا محاسبة، ولا حماية لحقوق الناس. ولن نرضى أن يُغلق هذا الملف كما أُغلقت ملفات الفساد الأخرى”.
الودائع في لبنان ليست مجرد أموال محتجزة، بل صرخة شعب، وجريمة موثّقة، ومستقبل مسروق. والرهان على صبر الناس قد لا يطول. قد يكون الأمل قائماً نظرياً، لكنه على الأرض مشروط بخطوات لم تُتخذ بعد، وبإرادة سياسية واقتصادية ما زالت غائبة، وربما، غائبة عمداً.













