الأربعاء, يناير 21, 2026
spot_img
spot_img
spot_img
الرئيسيةشريط الاحداثابتزاز العراق بأمواله: كيف تمسك واشنطن بـ"خناق" بغداد؟

ابتزاز العراق بأمواله: كيف تمسك واشنطن بـ”خناق” بغداد؟

spot_img
spot_img
spot_img
spot_img

| ريم هاني |

بعد معاركها الشرسة للاستيلاء على النفط العراقي، تلجأ واشنطن، اليوم، إلى «أدوات» جديدة للحفاظ على هيمنتها على هذا القطاع، والتحكم بعملية صنع القرار في بغداد.

منذ انتهاء الحرب العالمية الأولى، تحوّل نفط بلاد ما بين النهرين إلى محور صراع بين القوى الكبرى، تصادمت على إثره بريطانيا مع فرنسا من جهة، ومع الولايات المتحدة من جهة أخرى. وحتى قبل أن تُؤكَّد الاحتياطيات الضخمة في العراق، باكتشاف «حقل كركوك» عام 1927 على يد شركة «IPC» الخاضعة للإدارة البريطانية، كانت الضغوط الأميركية – عقب اتفاقية «سان ريمو» عام 1920، التي وزّعت «الانتدابات»على بلدان المنطقة – قد دفعت لندن إلى التنازل عن «حصة عادلة» لواشنطن من النفط. ومذّاك، استمرّ تنافس القوى الكبرى على ثروات هذا البلد، باعتبارها «المكسب الإستراتيجي الأكبر» في تلك الحقبة، وصولاً إلى حرب العراق عام 2003، والتي شكّلت «عُصارة» الأطماع الغربية في منطقتنا.

وبحسب ما ذهب إليه توماس بارنيت، مستشار وزير الدفاع الأميركي، وقتذاك، فإنه «عندما تذهب الولايات المتحدة أخيراً إلى الحرب في الخليج العربي، فهي ستفعل ذلك لا لتصفية حسابات قديمة، أو فرض نزع السلاح غير المشروع (…)»، بل إن الحرب المقبلة «ستشكل تحولاً تاريخياً، وتمنح واشنطن الملكية الحقيقية للأمن الإستراتيجي في عصر العولمة».

وفي خضمّ خوض الحكومتَين الأميركية والبريطانية «صراعاً مريراً» للسيطرة على النفط العراقي في أعقاب الإطاحة بصدام حسين، ورغم أن توني بلير بدا «أكثر تحفظاً» من الأميركيين بشأن أي غزو يُنظر إليه على أنه حرب من أجل «الاستيلاء على النفط»، فقد أبلغ مستشارُه للسياسة الخارجية، ديفيد مانينغ، واشنطن عام 2002، بأن بريطانيا «لا تزال تريد المزيد من الغنائم» في العراق، وفقاً لتقارير «لجنة تشيلكوت» البريطانية.

وما بين تصريحات مستشار بلير، جوناثان بوريت، قبيل الحرب، حول أن الأخيرة ما كانت لتحدث «لو لم يكن لدى العراق ثاني أكبر احتياطي نفطي في العالم»، ووصولاً إلى اعتراف الرئيس الأميركي الأسبق، جورج بوش، نفسه، بعد انتهائها، بعدم وجود أي «أسلحة دمار شامل» في هذا البلد، خلُص عدد من المراقبين إلى أن أهداف الحرب تمثّلت بنقطتَين أساسيتَين: حماية الأمن الإسرائيلي، والسيطرة الكاملة على موارد النفط في المنطقة، بما يضمن دوراً مهيمناً في صياغة سياسات الطاقة العالمية. واليوم، وبعد أكثر من عقدين، يبقى من البديهي، بالنسبة إلى كثيرين، ألا تتخلى واشنطن في «زمن السلم» عن «المكاسب الإستراتيجية» التي حقّقتها في زمن الاحتلال، وإن تبدّلت «الأدوات»، وأصبحت على شكل «أرصدة عراقية في نيويورك».

«المظلة» الأميركية

منذ أن أنشأت سلطات الاحتلال الأميركية، عام 2003، «صندوق تنمية العراق» لدى «الاحتياطي الفيدرالي» في نيويورك، بموجب قرار مجلس الأمن 1483، أُتيح لواشنطن الاحتفاظ بإيرادات النفط والغاز العراقية تحت رقابة مشددة، بذريعة «حماية بغداد من ديونها». وبعد إغلاق الصندوق رسمياً عام 2011 وتحويل رصيده إلى حساب باسم «حكومة العراق»، ظلّت الأرصدة العراقية – التي تقارب اليوم الـ100 مليار دولار – تخضع للمراقبة نفسها.

ورغم تسديد بغداد لديونها، تعمد الإدارات الأميركية إلى تجديد القرار سنوياً، مبرّرةً ذلك بالسماح للعراق بالوصول إلى النظام المالي الأميركي وسداد الديون وتمويل الواردات، وغيرها من الأسباب. وفي هذا السياق، يؤكد مستشار رئيس الوزراء العراقي للشؤون الاقتصادية، مصطفى حنتوش، لـ«الأخبار»، أن بغداد سدّدت معظم ديونها للكويت ونادي باريس – نحو 95% -، ولم تبقَ عليها سوى التزامات محدودة، ما يعني أن تحرير الأموال لن يعرّضها لدعاوى قضائية، مستدركاً بأن استمرار «الحماية الأميركية» اليوم يرتبط بمكافحة غسيل الأموال والفساد.

بيد أنه بعيداً من الذرائع «التقنية»، من الواضح أن بغداد تعوّل على «رضى» واشنطن لضمان وصولها إلى عائداتها، وعدم فقدان الضمانة الأميركية بعدم تجميد أو مصادرة أموالها (قرار جورج بوش التنفيذي 13303)، في وقت تتركّز فيه المطالب الأميركية في العراق على نقطتَين: منع استخدام السلاح خارج سلطة الدولة، ووقف تهريب الدولار لـ«جهات معادية» لواشنطن.

وعليه، ونزولاً عند مطالب مسؤولي «وزارة الخزانة» الأميركية الذي كثّفوا زياراتهم إلى العراق منذ استعادة ترامب لسياسة «الضغوط القصوى» تجاه إيران، بات أكثر من 40 مصرفاً عراقياً حالياً، تخضع لقيود في ما يتعلّق باستخدام الدولار، فيما المصارف القادرة على تحويل الدولار وتحقيق أرباح لا تتجاوز الـ5، وتحقّق أرباحاً نسبتها 95% من مجمل النظام المصرفي، بحسب ما يلفت إليه حنتوش، موضحاً أن «تقييد العمل بالدولار لم يأتِ بناءً على أفعال ارتكبتها المصارف»، بل «بناءً على أفعال (وشاية)، أو كحدّ أدنى معلومات غير دقيقة».

ويردف أنه عندما جاءت شركة «أوليفر وايمان» الأميركية ووضعت خطّة لإصلاح القطاع المصرفي، «لم تتحدث عن شبهات غسيل أموال أو ما شابه، إنما ركزت على معالجات في الهيكلية وتطوير بعض المعايير وغيرها». ورغم ذلك، يقلّل الخبير المالي العراقي، محمود داغر، من مخاطر بقاء الاحتياطات العراقية في الفيدرالي الأميركي، ويرى هذا الوضع «منطقياً»، نظراً إلى «ارتباط الدينار بالدولار كما هو حال الدول الريعية».

ويعتقد داغر، في حديث إلى «الأخبار»، أن الولايات المتحدة تبقى «خياراً آمناً» إلى «حين إنهاء ملفات قانونية عالقة تخصّ مصرفَي الرافدين والرشيد»، مضيفاً أن «احتمالية أن تجمّد واشنطن الأموال العراقية غير موجودة، لأنها لا تتخذ مثل تلك الخطوة إلا تجاه من هدّد أمنها وهدّد أمن العالم»، على حدّ تعبيره، مدّعياً أن المواطنين العراقيين لم يتأثروا بالقيود الأميركية.

والجدير ذكره، هنا، أنه عام 2020، وعقب تصويت البرلمان العراقي على إخراج القوات الأجنبية من البلاد، أُصيب صنّاع السياسة العراقيون بحالة «هلع» من انهيار اقتصادي محتمل، في حال فرضت واشنطن عقوبات سبق أن لوّحت بها، تشمل تجميد الحسابات المصرفية في الولايات المتحدة التي تحتفظ فيها بغداد بعائدات النفط التي تشكل 90 في المئة من ميزانية الدولة، ولا سيما وسط تهديد الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، وقتذاك، بأنه إذا طُلب من الجنود الأميركيين المغادرة، «فسنفرض على العراق عقوبات لم يروا مثلها من قبل».

ورغم إقرار محلّلين ووسائل إعلام غربية، بوجود مساعٍ أميركية مكثفة لفكّ ارتباط العراق بإيران في ملفَّي الغاز والكهرباء، بحلول عام 2030 كحد أقصى، وبالتالي، عزل طهران اقتصادياً من جهة، وحصول واشنطن على عقود أفضل عن طريق استبدال الواردات الإيرانية من جهة أخرى، يتحاشى داغر الإجابة عن السؤال حول الضغوط التي تُمارس على العراق، مكتفياً بالإشارة إلى أن «اعتماد الأخير على الغاز والكهرباء الإيرانيَين أوقع البلاد في مشكلات»، وأن فك الارتباط «هو من مصلحة العراق اقتصادياً»، مرحّباً، في المقابل، ببدء عودة الشركات الأميركية «المعروفة» إلى البلاد.

بيد أن بعض الخبراء يتبنون وجهة نظر أكثر واقعية نسبياً؛ إذ يؤكد حنتوش، مثلاً، أن العراق يستورد 50 مليون مكعب من الغاز الإيراني في اليوم الواحد، أي ما يعادل 18 مليار متر مكعب في السنة، مؤكداً أنه رغم أن البلاد «تعمل على زيادة إنتاج الغاز، فلن نستطيع الاستغناء عن الغاز الإيراني في السنوات القادمة، نظراً إلى أنه حتى مع اكتمال إنتاج النفط، سننتج 25 مليون متر مكعب إضافية، فيما درجة سيولة الغاز القطري مثلاً، أعلى من قدرة العراق على تسييله».

ومن جهته، يضع الخبير الاقتصادي والمصرفي، أحمد عبد ربه، «زيادة الاستثمارات الأميركية في قطاع النفط والغاز العراقي، في خانة مساعي واشنطن لـ(الاستفادة) من الفرص»، مشيراً إلى أنه رغم امتلاك العراق «موارد نفطية وغازية ضخمة تؤهّله للتقليل تدريجياً من الاعتماد على الاستيراد الخارجي، فلا تزال هناك تحديات، من بينها تنفيذ إصلاحات جذرية في البنية التحتية في السنوات المقبلة». وفي ما يتعلّق بالقيود على المصارف، يؤكّد عبد ربه، لـ«الأخبار»، أن تلك القيود «انعكست مباشرة على الحياة اليومية للمواطن، إذ قلّصت من قدرة المصارف على توفير الدولار بالسعر الرسمي، ما أدى إلى ازدهار السوق الموازي وارتفاع أسعار الصرف. وبالتالي، ارتفاع أسعار السلع المستوردة».

spot_img
spot_img

شريط الأحداث

مقالات ذات صلة
spot_img
spot_img