تمرّ ذكرى 11 أيلول كل عام مثقلة بـ”الدموع” والرمزية في الذاكرة الأميركية، لكن خلف الحداد الرسمي والمآتم الوطنية تختبئ حقيقة أبشع: هذا اليوم لم يكن مجرّد “مأساة أميركية”، بل محطة مفصلية استغلّتها واشنطن لتطلق قرنًا جديدًا من الحروب والاحتلالات، تحت شعار “الحرب على الإرهاب”.
منذ اللحظة الأولى، أدركت الإدارة الأميركية أن الهجمات ستمنحها تفويضًا مفتوحًا للهيمنة. فاندفعت الآلة العسكرية والسياسية إلى أفغانستان بذريعة القضاء على “القاعدة”، وإنهاء حكم “طالبان”، وسرعان ما تحوّل الأمر إلى احتلال كامل دمّر بلدًا بأكمله لعقدين من الزمن، قبل أن تنسحب القوات الأميركية تاركة خلفها خرابًا وفقرًا وانقسامات لا تنتهي. لم يكن الهدف حماية الشعب الأميركي، بل فرض السيطرة على قلب آسيا الوسطى الغني بالموارد والموقع الاستراتيجي.
ولم تكتف واشنطن بذلك، بل فتحت بوابة الجحيم على العراق. بحجة “أسلحة الدمار الشامل”، التي ثبت لاحقًا أنها كذبة كبرى، شنّت الولايات المتحدة حربًا أنهت دولة كاملة ومزّقت مجتمعًا عريقًا. مئات الآلاف من القتلى، ملايين المهجّرين، وبنية تحتية أُعيدت عقودًا إلى الوراء. كل ذلك سُمّي “تحريرًا” فيما كان الحقيقة استعمارًا سافرًا.
“الحرب على الإرهاب” لم تكن سوى غطاء أيديولوجي يبرّر عسكرة السياسة الأميركية في كل أنحاء العالم. تحوّل “الإرهاب” إلى كلمة مطاطة تُلصق بأي دولة أو حركة تقف في وجه المصالح الأميركية، من فلسطين إلى لبنان إلى سوريا.
وفي الداخل، صار 11 أيلول ذريعة لتشريع قوانين قمعية تمسّ الحريات، من “قانون باتريوت” إلى برامج المراقبة الشاملة، ليعيش المواطن الأميركي نفسه تحت قبضة أمنية لم يعرفها من قبل.
لكن المفارقة الأكبر أن أميركا التي نصّبت نفسها زعيمة “الحرب على الإرهاب”، هي نفسها التي غذّت هذا “الإرهاب” وصنعت جزءًا كبيرًا منه.
في الثمانينيات، سلّحت المجموعات المتشددة في أفغانستان، موّلتها عبر الاستخبارات المركزية، ودعمت الفكر المتطرف الذي انتشر من خلال أنظمة حليفة في الخليج. ما سُمّي حينها “المجاهدون” تحوّل لاحقًا إلى طالبان والقاعدة، أي إلى الوحش الذي ادّعت واشنطن محاربته.
لقد أنشأت أميركا شبكات التطرف الإسلامي لتخدم أجندتها ضد الاتحاد السوفياتي، ثم استثمرت وجودها لاحقًا لتبرير حروبها في المنطقة. بمعنى آخر: واشنطن خلقت العدو بيد، ثم صنعت من هذا العدو ذريعة لحروبها باليد الأخرى.
“الحرب على الإرهاب” لم تكن سوى غطاء أيديولوجي يبرّر عسكرة السياسة الأميركية في كل أنحاء العالم. تحوّل “الإرهاب” إلى كلمة مطاطة تُلصق بأي دولة أو حركة تقف في وجه المصالح الأميركية – الإسرائيلية.
اليوم، وبعد أكثر من عقدين، يظهر جليًا أن الولايات المتحدة كانت المستفيد الأكبر من دماء ضحايا برجي التجارة، والذي وصل عددهم إلى 3000 ضحية. صنعت من ركام نيويورك أسطورة تُشرعن لها قتل الأبرياء في كابول وبغداد وغزة وبيروت ودمشق وصنعاء، وأطلقت مشروعًا إمبراطوريًا يرتكز على صناعة الخوف. أما العالم، فقد دفع ثمنًا باهظًا من دمائه وثرواته واستقراره.
11 أيلول لم يكن يوم انهيار أميركا كما تدّعي، بل يوم انطلاق آلة عدوانها بلا قيود، بلا مبرر لكل همجية وعدوانية. هو اليوم الذي كشفت فيه واشنطن حقيقتها: دولة تبني قوتها على جثث الآخرين، وتحوّل مآسيها إلى رخصة لفرض الهيمنة.
ولذلك، فإن ذكرى هذا اليوم يجب أن تكون مناسبة لتذكّر الضحايا الحقيقيين الذين سقطوا وما زالوا يسقطون تحت جنازير دباباتها وصواريخها، وإمداداتها العسكرية للعدو الصهيوني.













