| جورج علم |
كان اللبنانيّون يأملون في أن تمارس واشنطن ضغوطاً على تل أبيب، للإقدام على خطوة، مقابل تلك التي خطتها بيروت، لكي تنجح وساطة توم برّاك، وتحظى الورقة الأميركية بشيء من الصدقيّة. لكن ما حصل لم يكن مفاجئاً لإعتبارات.
أولها: أن لبنان ليس أولويّة أميركيّة ـ إسرائيليّة. في حين أن إيران أولويّة. وقطاع غزّة كذلك. وسوريا، والضفة الغربيّة، والقدس أيضاً وأيضاً.
وتوم برّاك ليس رجل الحل، بل رجل الإستدراج، والتفخيخ، وإن لم ينجح، يكتفي بالتميّيع والمماطلة. وكذلك زميلته مورغان أورتاغوس.
لم يأت وزير الخارجيّة الأميركي ماركو روبيو على ذكر لبنان في دائرة إهتماماته. لم يكلّف ستيف ويتكوف ـ موفد الرئيس الأميركي للمهمات الصعبة ـ نفسه بزيارة بيروت، ولو لساعات، تعبيراً عن جديّة الإهتمام بالملف اللبناني، على الرغم من أن طائرته قد حلّقت مراراً في أجواء المنطقة. وإكتفى اللبنانيّون بالتصريحات المستفزّة لكلّ من أورتاغوس، وبرّاك.
ثانياً: أن الولايات المتحدة، كما إيران، متفقتان ـ ولو بشكل غير مباشر ـ على إبقاء الملف اللبناني مجرّد ورقة إبتزاز لكليهما، حتى يحين أوان الجلوس إلى الطاولة لبدء مفاوضات جديّة حول كيفيّة ترتيب مصالحهما في المنطقة.
يتحدث برّاك في بيروت عن “الجار الإيراني”، لكنّه لم يكشف أوراقه كاملة أمام وسائل الإعلام. يريد حصر السلاح، لكن لا يسهّل الطريق لإنجاز المهمة. يقول بدبلوماسيّة “خطوة مقابل خطوة”، ويذهب إلى تل أبيب ليعود بسلّة من الشروط، ولا يمارس أي ضغط على حكومة بنيامين نتنياهو للإقدام على خطوة مقابل تلك التي أقدمت عليها الحكومة اللبنانيّة.
السؤال: ما هي مهمته؟ هل هو مجرّد ساعي بريد لنقل الرسائل، أم صاحب مبادرة؟ وما هي؟ وهل هي “مرسملة” بإرادة تنفيذيّة، أم مقتصرة على تبويس اللحى، وتطييب الخواطر؟
المكتوب يُقرأ من عنوانه. وما قرأه اللبنانيّون أن شغل الموفدين الأميركيّين الشاغل في لبنان هو “تمرير الوقت”، وإبقائه في “سجن الإنتظار” أطول مدّة ممكنة، لتفعل “إسرائيل” فعلها، ويفعل عامل الوقت فعله، فإما حوار و”صفقة” مع إيران، أو مواجهة، وصفحة جديدة مجهولة المواصفات!
ثالثاً: يشهد العالم “العصر الإسرائيلي” في الشرق الأوسط. والأصح “الإعصار الإسرائيلي” الذي دمّر البنى التحتيّة للنظام العالمي، من قوانين، ومواثيق، وأعراف، وقيم إنسانيّة. ما يجري في غزّة فاق كل وصف، وعجزت الأنظمة والمنظمات الدوليّة عن وضع حد للهمجيّة المتمادية، بإستثناء الإدارة الأميركيّة التي تقدم الدعم والمؤازرة.
وما يجري ضدّ لبنان، إنما هو تخطّ لقرارات مجلس الأمن، وخصوصاً القرار 1701، ولكل المعاهدات، والمواثيق، والأعراف الدوليّة، وبدعم أميركي مطلق. فكيف يصح أن تلعب الولايات المتحدة دور الوسيط الإيجابي المحايد، وهي المرتكب والجلاّد، والشريك المشارك في جرائم نتنياهو، وحروبه التوسعيّة – الإحتوائيّة؟ وقد ضيّق برّاك هامش التحرّك للحكومة، فإن لم تبادر إلى حصريّة السلاح، فإن نتنياهو ماض في إعتداءاته، وحجّته: “طالما أن السلاح موجود، طالما أن الإعتداءات مستمرة. وطالما أن حزب الله يتمسّك بسلاحه، طالما أن إسرائيل تتمسّك بإعتداءاتها”!
وتطوّر إدارة ترامب هذه المعاددلة بالقول: “طالما أن السلاح في عهدة الحزب، طالما أن العزلة مستمرة على لبنان: لا مساعدات، لا مال، لا دعم، لا إقتصاد، ولا مؤتمرات دوليّة متعاطفة، ولا إعمار ما تهدم”!
وما تقوله واشنطن، يسري على دول عربيّة شقيقة، وأخرى صديقة، بحيث تنسدل ستائر التشاؤم على فسحات الأمل، ويبقى البلد مجرّد ساحة لتلقي الضربات، وتصفية حسابات الآخرين.
وآخر المداولات الأميركيّة بالشأن اللبناني بأن “حزب الله، إنما هو حزب إنفصالي، ولاؤه خارجي، عقيدته خارجيّة، ودعمه خارجي، ولا يمكنه أن يكون حزباً كيانيّاً توحيديّاً صافيّاً، بقدر ما هو وسيلة، وأداة يستخدمها المتعهّد الإيراني، لخدمة مشاريعه، وطموحاته في هذه المنطقة الخصبة من العالم”.
وفي سياق هذا التوصيف، وضعت الولايات المتحدة الورقة اللبنانيّة على طاولة المفاوضات مع إيران، والباب ليس مفتوحاً على واحة من الأمل، بقدر ما هو مفتوح على المجهول، ذلك ان إدارة الرئيس ترامب لا تتحدث عن مفاوضات مع إيران، بل سمحت “للترويكا” الأوروبيّة – بريطانيا، فرنسا، إلمانيا ـ أن تقوم بالواجب نيابة عنها.
وقادت “الترويكا” فعلاً جلسات حوار مع طهران، لكن بمواصفات أميركيّة، إن ما يتعلّق باليورانيوم، ونسبة تخصيبه، أو ما يتعلق بعلاقات التعاون مع الوكالة الدوليّة للطاقة الذريّة، أو مصير الـ400 كلغ من اليورانيوم المخصّب بنسبة 60 بالمئة، أو ما يتعلق بالبرنامج الصاروخي الباليستي، أو الإتفاق النفطي الإيراني مع الصين، أو دور إيران في الإقليم… وكلّها شروط تعجيزيّة دفعت بالأمور نحو خيارات صعبة، فإما الإمتثال ـ وهذا ما ترفضه إيران ـ أو العودة بالملف النووي إلى مجلس الأمن ومندرجات القرار 2231، وما ينصّ من عقوبات قاسيّة تحت مسمّى “سناب باك”، من شأنها أن تضاعف من الضغوط الإقتصاديّة المؤلمة للشعب الإيراني.
وفي زمن التصعيد الإسرائيلي من جهة، والأميركي ـ الأوروبي ضد إيران من جهة أخرى، يقف لبنان في حيرة، لا هو قادر على حصر السلاح بالقوّة تفادياً لحرب أهليّة مدمّرة، ولا هو قادر على تمزيق الورقة الأميركيّة. ويمسك به الإيراني من طرف، فيما يمسك به الأميركي من أطراف أخرى، ويبقى أسير إنتظار مكلف، ينتظر المحطة التي سيترجل إليها من القطار الأميركي ـ الإيراني، وتلك التي ستحددها له الغطرسة الإسرائيليّة المتمادية، في ظلّ إنقسام داخلي غير مسبوق حول حصريّة السلاح ما بين أنصار الدولة، وأنصار “الدويلة”!













