| حيدر خليل |
لم يكن خبر لقاء وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني مع وفد “إسرائيلي” في باريس مجرد حدث عابر، بل صدمة سياسية في المنطقة.
“سوريا البعث” ارتبطت لعقود بموقف صلب ضد أي تواصل مباشر مع “إسرائيل”، وباحتضان قوى المقاومة ورفض التسويات المنفردة. أما “سوريا الإسلامية” تفتح صفحة جديدة تخلع فيها “ثوب المقاومة” وتعتمد “المرونة” و”البراغماتية”، وهي أمام محطة جديدة قد تعيد رسم ملامح سياستها وموقعها ودورها و”عقلها”!
اللقاء لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق: عزلة سياسية عاشتها دمشق لنحو 14 سنة، عقوبات خانقة، تحولات إقليمية بعد “اتفاقات أبراهام”، وحاجة النظام السوري الجديد إلى إعادة التموضع لاستعادة شرعية دولية وإقليمية.
بين البراغماتية والرمزية
في الحسابات البراغماتية، قد ترى دمشق أن فتح قنوات اتصال مع الإسرائيليين عبر بوابة باريس، يمنحها ورقة تفاوضية جديدة في علاقتها مع الغرب. فرنسا، التي لعبت تاريخيًا دور الوسيط بين دمشق وتل أبيب، قد تكون اليوم تسعى لإعادة إحياء هذا الدور في ظل فراغ أميركي نسبي بالملف السوري.
لكن الرمزية تبقى أثقل من الحسابات. لقاء وزير الخارجية السوري بوفد “إسرائيلي” يضرب في الصميم الصورة التي حاولت دمشق تكريسها تاريخياً كـ”حصن الممانعة”، ويضعها في خانة الدول التي كسرت التابوهات السياسية لصالح واقعية جديدة.
مؤيدون ومعارضون للقاء
اللقاء شكّل نقطة سجال داخلي في سوريا وفي العالم العربي، بين مؤيدين للخطوة بخجل، وبين مزاج عام معارض بشراسة.
عربياً، رحب عدد من المثقفين والنشطاء العرب بالخطوة، معتبرين أن الحوار لا يعني بالضرورة التنازل. الناشطة التونسية أمينة السبوعي قالت في تغريدة:
“طالما بقينا نرفض الحوار، فلن نغير شيئًا. لقاء العدو لا يعني قبوله، بل محاولة لفهمه ومواجهته بالحقيقة”.
كما كتب الباحث الأردني سعيد الحسن في منشور مطوّل:
“قد لا نتفق مع الطريقة، لكن علينا الاعتراف أن الجمود السياسي والشعارات لم تسترد حقوق الفلسطينيين منذ 70 عامًا”.
في المقابل، هاجم كثيرون الشيباني بشدة، متهمين إياه بخيانة القضية الفلسطينية، وبارتكاب “تطبيع ناعم” مع الاحتلال. الناشط الفلسطيني وسيم بركة علّق قائلاً:
“بينما يُهدم منزل في جنين، يبتسم أحدنا في باريس لممثلي الاحتلال. هذا ليس رأيًا مختلفًا، بل اصطفاف خاطئ”.
ونشرت صفحة “صوت الانتفاضة” على فيسبوك:
“كل حوار لا يُسبق باعتراف صريح بالاحتلال وجرائمه، هو فقط ورقة توت للتطبيع”.
أما في سوريا، فقد تباينت المواقف بشكل لافت، حيث غلبت لغة الرفض والغضب على أصوات التأييد.
وقد حاول بعض المعلّقين الدفاع عن الخطوة، معتبرين أنّ السياسة لا تبنى على العاطفة. أحد المثقفين وصف اللقاء بأنّه “خطوة صعبة، لكنها ضرورية لكسر العزلة الدولية عن دمشق”، فيما كتب ناشط اقتصادي أنّ “أي تقارب مع إسرائيل قد يكون مدخلًا لرفع العقوبات وتحريك عجلة الاقتصاد المجمّد”.
وتبنّت بعض الأصوات السلوك البراغماتي، إذ كتب أحد الأكاديميين أنّ “الواقعية أهم من الشعارات، وإذا كان اللقاء قد يفتح باب المفاوضات حول الجولان، فلماذا لا نجرّب بدل أن نبقى أسرى الماضي؟”.
في المقابل، كتب أحد الناشطين المعارضين: “كل الذين ضحوا وضاعوا مشان نلاقي وزير خارجيتنا قاعد مع وفد إسرائيلي بباريس؟! هاي خيانة مو سياسة”.
ورأى صحافي سوري يقيم في الخارج أن اللقاء ليس أكثر من “مقايضة سياسية على حساب السوريين، ستُستثمر ضد الشعب قبل أن تكون لصالحه”.
وجاء الرفض أشدّ حدّة عند شريحة واسعة من السوريين، حيث علّق أحد أبناء الجولان بأنّ اللقاء “طعنة في ظهر الأهالي الذين لا يزالون يعيشون تحت الاحتلال”، بينما غرّد ناشط من الداخل السوري قائلاً: “من حماة لحلب لدمشق… دم السوريين صار ورقة تفاوض بباريس. عيب والله”.
وهكذا، عكس السجال على المنصات أن الانقسام حول الخطوة لم يعد محصورًا في أروقة السياسة الرسمية، بل خرج إلى الشارع والفضاء الافتراضي، بين من يعتبرها خيانة لثوابت العقود الماضية، وبين من يراها نافذة ضيقة قد تسمح بإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الدولة والاقتصاد السوري.
أسئلة مفتوحة: ماذا تريد دمشق؟
التحليل السياسي يقود إلى ثلاثة سيناريوهات محتملة:
- رسالة إلى الغرب:
اللقاء قد يكون موجهًا للعواصم الغربية أكثر من تل أبيب، في محاولة لإظهار أن دمشق مستعدة للانفتاح إذا ما رُفعت الضغوط والعقوبات.
- مناورة تفاوضية:
قد يكون مجرد خطوة اختبارية، تستهدف استشراف المواقف الدولية والإسرائيلية قبل أي تحرك أوسع، دون التزام حقيقي بمسار تطبيع شامل.
- بداية مسار جديد:
إذا تكررت مثل هذه اللقاءات أو تطورت إلى محادثات أوسع، فقد يعني ذلك أن دمشق تتجه نحو إعادة تعريف علاقتها بـ”إسرائيل” كجزء من صفقة إقليمية أوسع تشمل إيران وروسيا.
الارتباط بالسياق الإقليمي
من الصعب عزل اللقاء عن موجة التطبيع العربي مع “إسرائيل”، من الخليج إلى المغرب. لكن وضع سوريا مختلف:
- إيران، الحليفة السابقة لسوريا، ستنظر بريبة لأي تقارب سوري ـ إسرائيلي.
- روسيا قد ترى فيه ورقة إضافية بيدها، تستخدمها للضغط على “إسرائيل” أو الغرب في ملفات أخرى.
- الدول العربية التي طبّعت قد ترحّب ضمنيًا بالخطوة، لأنها تضع دمشق على المسار نفسه الذي سلكته هي من قبل.
يبقى السؤال الأهم: هل ما جرى في باريس هو انعطافة استراتيجية في السياسة السورية، أم مجرد إشارة عابرة في لعبة التوازنات الدولية؟
المؤكد أن الخطوة كسرت واحدًا من أعتى المحرمات في السياسة السورية، وأنها ستفتح الباب أمام نقاش داخلي وإقليمي واسع حول مستقبل “الممانعة” وموقع دمشق في الخريطة الجديدة للشرق الأوسط.













