| جورج علم |
يستحسن قراءة المشهد اللبناني من زاوية أخرى.
كلّ هذا الضجيج حول ورقة الأفكار الأميركيّة، وحصريّة السلاح، والمزايدات الشعبوّية، وتسميم المناخ السياسي، يرمي إلى تحقيق هدفين:
ـ الأول، التجديد لـ”اليونيفيل” نهاية هذا الشهر من دون شروط تعجيزيّة، وإقناع المجتمع الدولي بأن هناك دولة في لبنان بدأت تمسك بقرار الحرب والسلم، يفترض دعم جهودها، لإنجاز ما تعهدت به في خطاب القسم، والبيان الوزاري.
ـ الثاني، إقناع إدارة الرئيس دونالد ترامب بأن الدولة اللبنانية متجاوبة مع البنود التي وردت في ورقة توم برّاك، وبالتالي لا بدّ من رفع الحظر عن تمويل “اليونفيل”، والولايات المتحدة هي من أكبر المساهمين. ولا بدّ من التصويت لإستمراريتها كي تتمكن من إنجاز مهمتها، خصوصاً لجهة وضع القرار 1701 موضع التنفيذ، وعدم اللجوء إلى خفض عديدها.
ويرى الأميركيّون أن الورقة التي حملها برّاك إلى بيروت، إنما هي خريطة طريق تنفيذيّة لأفكار لبنانية مستخلصة من البيان الوزاري لحكومة نواف سلام، ومن خطاب القسم لرئيس الجمهوريّة جوزاف عون.
وما ناقشه مجلس الوزراء، يتمحور حول أفضل السبل، والإمكانات المتوافرة، للنهوض بلبنان، والبحث عن السبل الكفيلة بوضع ما جاء في البيان الوزاري موضع التنفيذ، والإنتقال من “لبنان ـ الساحة” إلى “لبنان ـ الوطن”. ووضع حدّ للتسيّب، و”حارة كل من إيدو إلو”، والإنصراف إلى بناء الدولة القادرة على الإضطلاع بمسؤولياتها، إنطلاقاً من حصرية قرار الحرب والسلم.
يأخذ البعض على الورقة الأميركيّة، كونها تتضمّن بنوداً تتحدث عن مفاوضات غير مباشرة مع “إسرائيل”. لكن من يجلس اليوم في المقاعد الأماميّة للمعارضة، ويتصدّر الخطاب “الشعبوي”، فاته، أو تجاهل، أو تناسى، بأنه كان في طليعة المتحمّسين والضالعين في المفاوضات غير المباشرة، والتي أفضت إلى ترسيم الحدود البحريّة في الناقورة. وفاته أنه كان في طليعة الموافقين على مبادرة الأميركي آموس هوكشتاين لترسيم الحدود البريّة، قبل أن يعتزل بعد الإنتخابات الرئاسيّة، وعودة الجمهوريّين إلى السلطة بزعامة ترامب، مكان الديمقراطيّين المنكفئين. وفاته أنه تمنّى على الرئيس نبيه برّي أن يخوض المفاوضات نيابة عنه، للتوصل إلى إتفاق وقف إطلاق النار! ولو كان قادراً، ومتمكّناً من المواجهة، ومتفوقاً في وضع العدو أمام مخاطر وجوديّة، لما كان قد لجأ إلى المهادنة، والطلب إلى ” الأخ الأكبر” التفاوض نيابة عنه، للوصول إلى إتفاق وقف إطلاق النار…
ويتّهم “الحزب” مجلس الوزراء، بالرضوخ للضغوط الأميركيّة، لأنه يوافق على البنود التي وردت في ورقة توم برّاك. ترى، ألا يرضخ هو بدوره للضغوط الإيرانيّة عندما يحرّضه وزير خارجيّة إيران عبّاس عراقجي على عدم تسليم سلاحه، ويحضّه على التمسك به، كي يبقى لبنان ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإيرانيّة ـ الأميركيّة؟
إن تصريح عراقجي خطير إلى درجة أنه نقل الحوار من “حصريّة السلاح”، إلى “ماهيته” المحاصرة بعلامة إستفهام كبرى.
– ما هي وظيفة هذا السلاح؟
• هل هو لمواجهة “إسرائيل”؟ لقد واجهها أشهراً عدّة، على مدى “حرب الإسناد”، و”وحدة الساحات”، وكانت النتيجة إغتيال، وتدمير، وخراب، وأجواء مفتوحة أمام الإعتداءات اليوميّة، وهو يعرف تماماً بأنه لو كان قادراً على تحقيق ما يرفع من شعارات، وما يقدّم من مبرّرات، لما كان قد كلّف الرئيس برّي بالتفاوص، للتوصل إلى إتفاق لوقف إطلاق النار؟ لكنه أدرك متأخراً بأن الشعارات التي يرفعها، لا تحمي ساحات مأهولة، ولا تعيد بناء قرى مهدمّة!
• وللمضيّ أكثر في العبثيّة الضاربة أطنابها، نراه يتأرجح ما بين موقف لافت، ونقيض له! فمن جهة يقول إنه يقف وراء الدولة، ويطالبها بترميم وبناء المنازل المهدمة في الجنوب، ومن جهة أخرى يتشبّث بسلاحه، ويرفض تسليمه، لأنه يرفض ان تتفرّد الدولة ـ التي يقف وراءها ـ بقرار الحرب والسلم!
• ويعرف “الحزب” أنه في كلّ مرّة يهدّد فيها، ويتوعّد بسلاحه، إنما يقدّم ذريعة للعدو الإسرائيلي كي يرفع سقف إعتداءاته، وإغتيالاته، ويوسّع دائرة الحديد والنار.
إنها لمعادلة غريبة فعلاً، ومستهجنة. يتمسّك “الحزب” بسلاحه طالما أن إسرائيل تحتل، وتعتدي، فيما الأخيرة تصرّ على إعتداءاتها، طالما يتمسّك “الحزب” بسلاحه، فيما لبنان الوطن، والدولة، والشعب، والمؤسسات يدفعون الثمن الباهظ من حرب الإستنزاف التي تمارس بحقهم، وبحق الأجيال الصاعدة!
• ويعرف “الحزب” كما يعرف الآخرون ـ كلّ الآخرين ـ بأن دافعَين يشجعانه على التمسك بالسلاح:
ـ الأول: إن القرار ليس عنده، بل عند عراقجي، ودولته، ومؤسساتها، وفي الطليعة “الحرس الثوري”.
اـ لثاني: إن التهويل بالسلاح، وإن كان موجها ضدّ “إسرائيل”، فإنه ـ ومن باب أولى ـ موجه إلى الداخل. إنه برسم الآخرين للحصول على “كوتا” سياسيّة “حرزانة” ضمن مؤسسات النظام. إن التهديد بالسلاح هو لفرض هيمنة ما، ولحمل الداخل على الإستجابة لسلّة شروط “الحزب”، وهو من يختار توقيت المجاهرة بها، لتحقيق الطموحات الجموحة!
إن الإصابة البليغة التي مني بها “الحزب”، فقدانه مصداقيته، يقول الشيء، ويأتي بعكسه. يقول بالطائف، ويرفض تطبيقه، أو على الأقل ما يتصل بحصرية السلاح. يقول إنه يقف وراء الدولة، وعندما تقدم على أن تكون دولة، تأتي الطعنة من الخلف. يقول إنه مع القرار 1701، وحريص على تطبيقه، فيما يمعن بخرقه بحجة أنه منهمك في مواجهة “إسرائيل” نيابة عن “الشعوب اللبنانية” قاطبة!
ترى، متى ياتي الزمن الذي تنتصر فيه الواقعيّة ـ العقلانيّة، على الشعبويّة!













