الإثنين, فبراير 9, 2026
spot_img
spot_img
spot_img
الرئيسيةSliderلبنان يواجه أسوأ أزمة مائية.. وميزانية خاصة لشراء مياه الخدمة!

لبنان يواجه أسوأ أزمة مائية.. وميزانية خاصة لشراء مياه الخدمة!

spot_img
spot_img
spot_img
spot_img

| ناديا الحلاق |

في ظل الانهيارات البيئية والاقتصادية المتتالية، يواجه لبنان هذا العام واحدة من أسوأ أزماته المائية منذ أكثر من ستين عاماً، ما ينذر بكارثة إنسانية وبيئية تهدد الزراعة، الصحة العامة، والأمن الغذائي.

شهدت البلاد تراجعاً حاداً في معدلات هطول الأمطار خلال العامين الماضيين، مسجلة نسبة انخفاض تجاوزت الـ 40% عن المعدل السنوي المعتاد، وفقاً لبيانات مصلحة الأبحاث العلمية الزراعية.

هذا الانخفاض ترافق مع موجات حرّ قياسية دفعت بالمياه الجوفية إلى مستويات حرجة، وجففت العديد من ينابيع الجبال التي كانت تعتبر شريان حياة للقرى والبلدات النائية.

المياه مقطوعة… والقلق يتصاعد

في ضوء هذه الظروف المناخية القاسية، تشكو غالبية المناطق اللبنانية من انقطاع المياه لفترات طويلة، تجاوزت في بعض القرى الجبلية ثلاثة أسابيع متتالية، مما اضطر السكان إلى شراء المياه من صهاريج خاصة بأسعار باهظة، وسط غياب أي رقابة أو تسعيرة رسمية.

وفي العاصمة بيروت وضواحيها، تراجع ضخ المياه اليومي بنسبة تفوق 60%، بحسب مؤسسة بيروت للمياه، التي عزت السبب إلى النضوب الحاد في مصادر التغذية من الأنهار والينابيع، إضافة إلى التقنين الكهربائي الذي يعطّل محطات الضخ.

صهاريج المياه.. سوق سوداء في قلب الأزمة

وبالتوازي مع هذا الانقطاع، برزت ظاهرة “تجّار الأزمات” بشكل لافت، لا سيما في العاصمة بيروت، حيث تحولت الحاجة الأساسية للماء إلى فرصة للاستغلال وتحقيق الأرباح على حساب معاناة الناس. ففي مناطق مثل رأس النبع، بلغ ثمن 10 براميل من المياه (ما يعادل 2000 ليتراً) مليون ومئتي ألف ليرة، وهو السعر نفسه تقريباً في منطقة الحمرا، بينما يصل السعر في منطقة الطريق الجديدة إلى مليون ليرة، وتتراوح الاسعار في منطقة فرن الشباك ما بين مليون إلى مليون ومئتي ألف ليرة، بحسب إفادات السكان، فيما سعرها في الضاحية يترواح بين 800 ألف والمليىن ليرة.

وتعكس هذه الفوارق في الأسعار غياب أي آلية رقابية أو تسعيرة رسمية، ما أدّى إلى تحوّل المياه إلى سلعة تخضع لمنطق السوق السوداء، وتثقل كاهل المواطنين، خصوصاً ذوي الدخل المحدود.

ويضطر كثير من السكان إلى تعبئة خزاناتهم كل ثلاثة إلى خمسة أيام، نتيجة انقطاع المياه العامة واعتمادهم الكلي على الصهاريج لتلبية حاجاتهم الأساسية من شرب واستحمام وتنظيف.

ويؤكد عدد من الأهالي أن بعض موزعي المياه يستغلون الوضع الراهن، فيرفعون الأسعار وفق أهوائهم، من دون حسيب أو رقيب.

وتقول سيدة من سكان منطقة المزرعة لموقع “الجريدة”: “بتنا نشعر كأننا نشتري المياه بالذهب. لا كهرباء لتشغيل الغسالة، ولا مياه للاستحمام. نحتاج إلى صهريج كل 4 أيام تقريباً، ولا أحد يراعي أو يرحم”.

وتروي أم زياد، وهي أمّ لخمسة أولاد تقيم في منطقة الطريق الجديدة، معاناتها قائلة: “كل ثلاثة أيام نضطر إلى تعبئة المياه، وسعر الصهريج يبلغ مليون ليرة. أي أننا نحتاج شهرياً إلى ما يقارب عشرة ملايين فقط لتأمين المياه. لا أستطيع الغسيل يومياً وأولادي لا يستحمّون يومياً، الوضع أصبح لا يُطاق”.

أما أبو علي، القاطن في أحد الأحياء الشعبية في منطقة الباشورة، فيصف الوضع بـ”الإذلال اليومي”، قائلاً: “نلهث وراء أصحاب الصهاريج ونتوسّل إليهم ليؤمّنوا لنا المياه. أحيانًا لا نجدهم لأيام، وإن حضروا، يفرضون السعر الذي يريدون. قيل لي مرة: إذا أردت الماء اليوم، فعليك أن تدفع مليونًا ونصف. بتنا نختار بين أن نشرب أو نأكل، إذ لم نعد قادرين على فعل الأمرين معاً”.

في ظل هذا الواقع المرير، يشعر المواطن اللبناني بأن الدولة غائبة بالكامل، تاركة المجال مفتوحاً أمام تجار الأزمات ليتحكّموا بأبسط مقومات الحياة، في واحدة من أشد مظاهر الانهيار المعيشي والاجتماعي التي يشهدها لبنان في تاريخه الحديث.

الزراعة في مهب الريح
ولا تقتصر تداعيات الأزمة على حياة السكان اليومية، بل تمتد أيضاً إلى القطاع الزراعي، الذي يشكل مصدر رزق لعشرات آلاف العائلات، ويتلقى الضربة الأقسى. فالمحاصيل الصيفية في سهل البقاع ومناطق الجنوب باتت مهددة بالكامل، في ظل تعذر ريّها. إذ يؤكد عدد من المزارعين أن مواسمهم هذا العام كانت “خاسرة”، ما أدى إلى ارتفاع أسعار الخضار والفواكه المحلية.

أسباب مركّبة… وحلول غائبة
ويعود تعقيد هذه الأزمة إلى مجموعة من العوامل المتداخلة: التغير المناخي العالمي، سوء إدارة الموارد المائية، غياب التخطيط الاستراتيجي، واستمرار الهدر في شبكات التوزيع المهترئة.

وبحسب خبراء بيئيين، فإن لبنان يخسر سنوياً ما يزيد عن 40% من مياهه الصالحة بسبب التسربات والبنية التحتية المتداعية. وفي المقابل، تغيب السياسات الحكومية الفعالة، حيث لم تُحدّث خطة إدارة المياه الوطنية منذ أكثر من عقد، ولم تُستثمر مشاريع حيوية كالسدود وتخزين المياه الشتوية بشكل علمي أو مستدام.

تحذير من الأسوأ
وأمام هذا المشهد القاتم، حذرت منظمات دولية، من بينها منظمة “اليونيسف”، من تفاقم الأزمة وتأثيرها المباشر على الأطفال والعائلات الفقيرة. ودعت المجتمع الدولي إلى دعم لبنان في تعزيز قدراته على مواجهة الجفاف، من خلال مشاريع تحلية، إعادة تدوير المياه، وتنمية الوعي المجتمعي حول ترشيد الاستهلاك.

دعوة إلى تحمّل المسؤولية
مواجهة أزمة بهذا الحجم تتطلّب تحركاً وطنياً عاجلًا لا يقتصر فقط على الجهات الرسمية، بل يشمل أيضًا المجتمع المدني ووسائل الإعلام والرأي العام. فالصمت على الواقع القائم يعني القبول بانهيار أوسع، تبدأ آثاره بالماء ولا تنتهي بالأمن الغذائي والصحي.
من هنا، بات من الضروري الضغط باتجاه خطة إنقاذ واضحة وشفافة لإدارة المياه، تشمل إصلاح البنى التحتية، وتنظيم تسعير الصهاريج، وتفعيل الرقابة، إلى جانب إطلاق حملات توعية لترشيد الاستهلاك.

الماء حق، لا يجب أن يترك رهينة بيد السوق السوداء، ولا أن يستغل كوسيلة إذلال للمواطن.

وبالنتيجة، لبنان، بلد الأنهار والينابيع سابقاً، يجد نفسه اليوم على شفير العطش الجماعي.

وبينما تكافح العائلات والمزارع والمؤسسات للعثور على نقطة ماء، يبقى السؤال مطروحاً: هل سيتحوّل العطش إلى أزمة مستدامة في ظل غياب القرار السياسي والإداري الجاد، أم أن الفرصة لا تزال قائمة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه؟.

للانضمام إلى مجموعة “الجريدة” إضغط على الرابط

https://chat.whatsapp.com/Ehc1NGyVORWJ7prOx0lUgD

spot_img
spot_img

شريط الأحداث

مقالات ذات صلة
spot_img
spot_img