| جورج علم |
تحوم في الفضاء اللبناني ـ السعودي أسئلة تتوخّى التوضيح من موقع الحرص الدائم على شذى العلاقات الفوّاح في كل زمان ومكان.
مع بداية هذا العام، تدحرج رقم 9 على دولاب الفراغ، مرّات ثلاث، لملئه بإنتخب جوزاف عون رئيسا للجمهوريّة في 9 كانون الثاني، بـ99 صوتاً، رئيساً للجمهوريّة.
وكانت الولادة قيصريّة. وتمّت في غرفة العناية الفائقة للخماسيّة العربيّة ـ الدوليّة، وبإشراف القابلة الأميركيّة ـ السعوديّة. وارتفع قوس قزح بألوانه الزاهيّة إحتفاء بالحدث. وبادرت المملكة العربيّة السعوديّة إلى إرسال وفد رفيع المستوى إلى بيروت حاملاً التهنئة.
كما وجهت دعوة رسميّة، لبّاها الرئيس عون في أول تحرّك خارجي له، وكانت حافلة بحرارة الإستقبال، وشموليّة المقال.
ساد إنطباع بعد تلك الزيارة بأن صفحة جديدة قد فتحت، تنساب على بياضها عناوين مكتنزة بالأمل، خصوصاً بعد الدعوة التي خصّ بها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، رئيس الحكومة نواف سلام، حيث شاء أن يكون إلى جانبه ضيفاً عزيزاً صبيحة عيد الفطر.
بعد كلّ هذا الإنشراح، عاد الصمت، وعادت الأسئلة الكبرى إلى وراء الكواليس لتشغل حيّزاً من النقاش حول ما فات، وهل تخلّلته هفوات؟
كان من المنتظر أن ينزل الفولكلور اللبناني بعفويته إلى باحة مطار رفيق الحريري مرحّباً بالإشقاء السعوديّين، على غرار ما حصل مع المبادرين الإماراتيّين، ولكن هذا لم يحصل. هل تأخر صدور القرار بالسماح، أم لا قرار لغاية الآن معلّلاً بموانع وأسباب ربما تكون وجيهة؟!
كان من المنتظر أن تضجّ منتديات بيروت بالمستثمرين السعوديّين، لكن الحذر لا يزال سيّد الموقف على الرغم من كثافة الإتصالات، وتعدّد القنوات المفتوحة.
كان من المنتظر خطوة نوعيّة في مسافة الألف ميل، تحدث ضجّة إيجابيّة بحجم الصدمة، في البركة اللبنانيّة، وتترك تموّجات واسعة على صفحتها الراكدة. لكن الهبوب الآتي من الرياض لم يحرك، لغاية الآن، شراعاً بارزاً في المركب اللبناني.
ومع ساعات الفجر المشرق في صيف لبنان الواعد، تهبط طائرة وزير الخارجيّة السعودي الأمير فيصل بن فرحان في مطار دمشق، وعلى متنها وفد رفيع من رجال الأعمال في زيارة دعم ومؤازرة.
أثارت الزيارة الكثير من الهمهمات في الفضاء اللبناني. كان يقال إن بيروت، تاريخيّاً، كانت بمثابة الدفّة الموازية لدمشق في ميزان الإهتمام السعودي. حتى أن الراحل الكبير الملك عبد الله بن عبد العزيز عندما حطّت طائرته يوماً في مطار دمشق، إنما فعل ليصطحب معه الرئيس السوري إلى بيروت، إلى دارة الرئيس الشهيد رفيق الحريري، للمصالحة، وفتح صفحة جديدة.
كان يقال إن لبنان قد إستعاد موقعه في دائرة الإهتمام السعودي بعد إنتخاب جوزاف عون رئيساً للجمهوريّة، وإختيار نواف سلام رئيساً للحكومة، لكن توالي الأحداث قد قلّل من عناصر التشويق، بمعنى أن رهان البعض في لبنان كان يحوم حول مفاجأة يعدّها الأمير بن سلمان تجمع الرئيس عون مع نظيره الأميركي دونالد ترامب، في رحاب الرياض، لكن هذا لم يحصل. والذي حصل كان مع الرئيس السوري أحمد الشرع!
كان الرهان على شرح أبعاد وخلفيات الفقرة حول لبنان، والتي وردت على لسان الرئيس ترامب، خلال المؤتمر الصحفي الذي عقده إثر إنتهاء محادثاته مع ولي العهد السعودي وقادة دول مجلس التعاون الخليجي، لكن لغاية الآن لم يطرأ أي جديد سوى التكهنات حول مصير السيدة مورغان أورتوغاس: هل تأتي؟ وكيف؟ ومتى ستأتي في ظلّ إحتمال تنحيّها عن الملف اللبناني؟
وتفيد الوقائع حاليّاً بأن الدفة السورية رجحت في الميزان السعودي على الدفّة اللبنانية، وهذا طبيعي إنطلاقاً من إعتبارات ثلاثة:
الأول ـ محاولة إنقاذ وحدة التراب السوري في ظلّ التمدّد التركي، والنفوذ الإيراني، والتوسّع الإسرائيلي، والقواعد الروسيّة – الأميركيّة، والفصائل الأصوليّة المتشدّدة.
لا تزال سوريا قابعة فوق فالق زلزالي مدمّر، وتُنشّط إرتداداته التدخلات الخارجيّة المستمرة، والهادفة إلى تمزيق الجغرافيا لحماية المصالح التوسعيّة.
الثاني ـ إنقاذ عروبة سوريا، ذلك أن التدخلات الخارجيّة، المتعددة الهويات، لا تعير وزناً لحقائب التاريخ، وحقائق الجغرافيا، بل تريد وتحاول أن تفرض جديداً على أرض الواقع، وتستثمر بمعاناة الشعب السوري حتى الثمالة.
الثالث ـ دعم المرحلة الإنتقالية لضمان فرص النجاح في إعادة بناء الدولة ومؤسساتها على أسس دستوريّة ديمقراطيّة تراعي صحة التمثيل، وتوثّق عرى الوحدة الوطنيّة، وتنقل سوريا من ضفة الإنهيار، إلى ضفة الإستقرار والإزدهار.
ليس تفصيلاً أن تقرّر المملكة، وقطر إعفاء ديون سوريا الخارجيّة، وتأمين سلاسل الرواتب للموظفين، والقوات المسلّحة.
وليس تفصيلاً إنقاذ إقتصاد سوريا من محاولات الهيمنة والنهش من قبل الطارئين، والطامعين. إن زيارة وفد المستثمرين السعوديّين إلى دمشق برئاسة وزير الخارجيّة الأمير فيصل بن فرحان خير دليل على بعد النظر وجديّة الإهتمام.
وليس تفصيلاً أن يؤدي الأمير السعودي صلاة الجمعة في رحاب الجامع الأموي، نظراً لما لهذه المبادرة من جامع معنوي سعودي ـ سوري ـ لبناني مشترك من حيث الإهتمام، والدعم المستدام.
ومهما تعدّدت التحليلات، تبقى ولادة العهد قيصريّة، وقد تمّت على يد القابلة الأميركيّة ـ السعوديّة. ولبنان الذي ينتقل من ضفة إلى أخرى، ومن محور إلى آخر يحتاج إلى الكثير من الصبر والفلاح، ليدرك الصباح.













