
الهروب من المواجهة المباشرة ليس كلّه نتيجة جبن أو خوف، بل غالباً ما ينمّ عن خبث. وهي الحال مع إدارة الجامعة الأميركية في بيروت، إذ إن هذه الإدارة التي تعبّر عن «ضيق صدرها» من أي انتقاد لسلوكها، خصوصاً السياسي، تشعر بحرج أكبر كونها لم تعد مبالية باحترام خصوصية لبنان، وتلتزم سياسة الانصياع الأعمى لتوجّهات الحكومة الأميركية.
لكنّ هذه الإدارة تدرك، بالخبرة والتقادم، أنه يصعب عليها فرض أحكام عرفية بشحطة قلم، والتحايل عبر تكليف فريق من العاملين في الجامعة بمهمة خوض المعركة، ليس من قبيل حرف الأنظار عن موقع المشكلة، بل لإقناع الرأي العام بأن النقد الذي يُنشر في «الأخبار» لأداء إدارة الجامعة وسياساتها، إنما يستهدف جسم الجامعة ككل، خصوصاً الجسم الأكاديمي، وليس إدارة الجامعة أو رئيسها.
وكأي سلطة في العالم، هناك دائماً من هو مستعدّ للعب الدور القذر. وتجد إدارة الجامعة ما تحتاج إليه من «صبيان» يلعبون هذه الأدوار، من بينهم أشخاص يؤكّد «المجتمع الأكاديمي» أنهم ليسوا أهل كفاءة أصلاً، ليكونوا ضمن جسم الجامعة، عدا كونهم منخرطين بشكل سافر في معركة سياسية واضحة في البلاد، ما يقود إلى نتيجة أولية بنزع صفة الحياد المُفترضة للمؤسسة الأكاديمية والطبية.
وبحسب مسؤول أكاديمي سابق في الجامعة نفسها، يصبح الأمر خطيراً عندما يكتشف كبار الموظفين أن هؤلاء «الصبيان» إنما فرضوا على الجامعة، بقرار وضغط مباشريْن من واشنطن، وهو أمر سبق لرئيس الجامعة الدكتور فضلو خوري أن أشار إليه في معرض ردّه على سؤال عن سبب تغطيته لـ«زعرنة هؤلاء الصبيان»، إذ قال خوري يومها إنه حاول «ترتيب الأمور بطريقة لائقة»، لكنه صمت لدى سؤاله عن سبب فشله في تحقيق هذا الهدف، علماً أن الجميع في لبنان، وفي الجامعة نفسها، يعرفون أن لهؤلاء «الصبيان» وظيفة سياسية تديرها وتتولّاها السفارة الأميركية في بيروت، بدعم وتمويل من مؤسسات ودول عربية من بينها الإمارات العربية المتحدة.
وبناءً عليه، وجدت إدارة الجامعة أن مشكلتها مع «الأخبار» لا تُعالج إلا وفق معايير سلطوية، وهو أمر سبق أن واجهناه قبل سنوات، عندما مارست السفارة الأميركية في بيروت (نيابة عن الجامعة)، وعبر فريق من المحامين العاملين لديها، ضغطاً كبيراً على رئيس الحكومة الأسبق سعد الحريري، لجعل القضاء في لبنان يصدر أحكاماً يمنع بموجبها «الأخبار» من نشر أي وثائق تحصل عليها من داخل جسم المؤسسة.
وقد صدرت يومها (عندما كان حزب الله يحكم البلاد… أليس هذا ما تقولونه؟) قرارات قضائية ألزمت «الأخبار» بإزالة تقارير عن موقعها الإلكتروني، ومنعتها من نشر أي وثيقة داخلية تعود للجامعة. غير أن القضاء أكّد يومها أيضاً أن القرار يتعلق حصراً بوثائق تخصّ الجامعة، ولا يتعلق بأي نشاط صحافي تقوم به «الأخبار».
وهو أمر عاد الفريق القانوني نفسه ليثيره مع السلطات. ويومها قالت محامية من عائلة تعمل مع السفارة الأميركية منذ عقود إنها واجهت مشكلة مع الرئيس تمام سلام «الذي لم يتعاون معنا كما فعل الحريري» على حدّ تعبيرها في وثيقة رسمية.
المشكلة مستجدّة، في ضوء قرار إدارة الجامعة «إشهار» سياسات قائمة في صلب عمل الإدارة، لكنّ سياق الحرب الأميركية – الإسرائيلية على لبنان وفلسطين وعلى فكرة المقاومة، إضافة إلى تفعيل برنامج التطبيع والسلام مع إسرائيل، كلّ ذلك فرض إشهارها الآن.
غير أن المفاجأة تمثّلت في أن إدارة الجامعة تخاف من أي موقف للطلاب في مواجهة حرب الإبادة الإسرائيلية، كما أن «الصبيان» يخشون أن يكون بين الطلاب من هو مُعجب أو مؤيّد للمقاومة في لبنان أو فلسطين.
وبين هؤلاء «الصبيان» من يتولّى ترهيب الطلاب علناً، وتهديدهم بحرمانهم من الانتساب إلى الجامعة أو من المنح المالية أو من أي حظوة أكاديمية. والمشكلة أن إدارة الجامعة لا تمنع «الصبيان» من هذا السلوك، ولو أن خوري نفسه، يعرف أنه سلوك يستفزّ المجتمع الأكاديمي والطالبيّ قبل غيرهم من خارج الجامعة.
ومع توسّع النشاط القمعي، نشرت «الأخبار» سلسلة تقارير حول ما يجري داخل الجامعة الأميركية، خصوصاً في الأسابيع الأخيرة. وقد بادرت إدارة الجامعة إلى رفع دعاوى قضائية ضد الجريدة، لكنها توجّهت نحو القضاء الجزائي وليس إلى محكمة المطبوعات.
وعندما أيقنت بأنه لا يمكنها وقف نشر التقارير، ولا حتى منع الموجودين في حرم الجامعة من التفاعل مع وسائل الإعلام، اعتمدت استراتيجية تقوم على تصوير النقد على أنه تحريض على العنف ضد الجامعة وإدارتها.
وهي خطوة خطيرة جداً، توجب من قبلنا خطوات وقائية كبيرة أيضاً. وندرس الآن آليات لرفع دعاوى قضائية في لبنان وخارجه، ضد الإدارة وضد الأشخاص الذين اتّهموا «الأخبار» بأنها تحرّض على العنف ضد الجامعة، وسيكون على هؤلاء إظهار الأدلة التي تُثبِت هذا الادّعاء، أو سيتحمّلون مسؤولية إطلاق هذه الاتهامات وفق ما تقرّر الجهات القضائية في لبنان والخارج.
وبناءً عليه، لم نعرف من هو صاحب الاقتراح، لكن ما حصل أن إدارة الجامعة كلّفت «الصبيان» أنفسهم بنقل الموضوع إلى الجسم الأكاديمي، ولكن ليس وفق الآليات المعتمدة داخل الجامعة نفسها. فكان أن وُزّعت رسالة إلكترونية على المعنيين، كتبت فيها الأستاذة في كلية العمارة الدكتورة ليلى مصفي بياناً جاء فيه:
«أعضاء الهيئة التعليمية،
صوّت أعضاء مجلس الشيوخ في الجامعة الأميركية في بيروت، خلال اجتماعهم اليوم، على تبنّي البيان التالي:
يدين مجلس الشيوخ في الجامعة الأميركية في بيروت الادّعاءات الباطلة الأخيرة والتحريض على العنف ضد الجامعة وقيادتها من قبل صحيفة الأخبار.
ويحثّ المجلس بشدّة الجامعة بمكوّناتها على تفادي التعامل مع الصحيفة المذكورة في ظل الظروف الراهنة… نيابةً عن أعضاء مجلس الشيوخ، نُقدّر التزامكم بالبيان أعلاه».
ولا يتوقّف مسلسل المفاجآت عند هذا الحد، إذ تبيّن لدى اعتراض البعض على الآلية الإجرائية لما حصل، خصوصاً مع إقرار الدكتورة مصفي بنفسها بأنها لا تعرف ما حصل، وأنها تلقّت إشعاراً بالبيان، ثم ردّت على سؤال عن التقارير التي ورد فيها التحريض على العنف، فقالت إنها لا تدري أين هي، لكنها نصحت سائليها باستخدام محرّك «غوغل» للحصول على تقارير «الأخبار»، دون أن يعرف السائلون ما إذا كان يحقّ لهم بعد الآن الولوج إلى موقع الجريدة، باعتبار أن القرار الذي أرسلته مصفي قبل هذه النصيحة يدعو إلى وقف التفاعل مع الجريدة.
عملياً، ينص «الفرمان» على اعتبار «الأخبار» جريدة تتوجّب مقاطعتها وعدم التعامل معها. وبالتالي، فإن «محاكم التفتيش» و«العسس البشري والإلكتروني» سيتابعان مدى الالتزام بهذا الفرمان، مع حملة ترهيب غير مسبوقة داخل الجامعة، ما استوجب نقاشاً وردوداً من عدد من الأساتذة والعاملين، وقد أشار هؤلاء إلى أن القرار تمّ تهريبه بطريقة غير سليمة، ولم يتمّ إبلاغ المعنيين بالاجتماع مسبقاً بأن هناك توجّهاً لمناقشة هذا الأمر، لتعود الدكتورة مصفي وتقول إنه ورد في خانة «بنود أخرى» على طريقة ما تفعله السلطات في لبنان، وخصوصاً الحكومة، عندما تريد تهريب قرار أو مرسوم أو تعيين، فلا تضعه مسبقاً على جدول الأعمال.
ولم يمض وقت طويل، حتى نُشرت الرسالة على الملأ، ليُفتح سجال داخل المجتمع الأكاديمي، ولفت المعترضون إدارة الجامعة إلى مخاطر هذه الخطوة على أكثر من صعيد:
أولاً، إنها تعبير غير مسبوق عن خوف الجامعة من الصحافة، وإن التحريض على العنف الذي اتّهمت به «الأخبار» لا يستند إلى أي أدلة، هذا ينقل النقاش إلى مكان آخر.
ثانياً، إنه يوجد في جسم الجامعة من يطلق مواقف وأنشطة سياسية تعرّض الجامعة وسمعتها للخطر.
ثالثاً، إن فكرة التعرّض للصحافة والحريات الفردية والعامة تتناقض كلياً مع القيم التي يُفترض أن تمثّلها الجامعة.
يشار أيضاً إلى أن خوري عقد سلسلة اجتماعات في الأيام الماضية، قدّم خلالها ما يشبه التقرير عن نتائج زيارته الأخيرة للولايات المتحدة. وقد عبّر أمام مسؤولين وموظفين في الجامعة عن «القلق من احتمال تعرّض الجامعة لمخاطر العقوبات ووقف التمويل»، في حال لم تلتزم القواعد والتوجّهات العامة التي لا تخالف سياسات الحكومة الأميركية، لتصدر قرارات منعت أي تحرك جدّي داخل الجامعة لإدانة الجرائم الإسرائيلية ضد لبنان وفلسطين وسوريا.
هذه الحملة على «الأخبار» ليست منفصلة عن الحملة القائمة بقوة منذ الأسابيع الأولى للعدوان الواسع على لبنان في تشرين الأول العام الماضي، وتشارك فيها جهات دبلوماسية وأمنية أميركية، درست مع «أصدقاء» من لبنان الوسائل الكفيلة بـ«إسكات» هذا الصوت، ومن بينها التفكير في وضعها على لائحة العقوبات الأميركية بدعوى أنها «تحرّض على العنف ضد المصالح الأميركية في لبنان والعالم».
ويوم أمس، شارك ألبرتو ميغيل فرنانديز، الدبلوماسي الأميركي الذي تولّى إدارة قناة «الحرة» وغيرها من وسائل التواصل مع العالم العربي، في النقاش حول مسألة «الأخبار» والجامعة الأميركية في بيروت.
فأثنى على «الفرمان»، وأضاف أن صحيفة «الأخبار» هي «بالطبع أداةٌ بيد حزب الله. فهي، الوسيلة الدعائية الأكثر فعاليةً لحزب الله، أكثر من تلفزيون «المنار»، إذ ترتدي قناعاً خفيفاً من الاستقلالية يخدع المغفّلين».
ملاحظة أخيرة:
عندما تذهب إدارة الجامعة الأميركية في بيروت إلى هذا السلوك، فهي تفتح الباب مشرّعاً أمام المزيد من التدقيق في كل ما تقوم به. وهي ستخدم خصومها في كل خطوة تقوم بها وفق منظورها، أو منظور «الصبيان» ومشغّلهم الأميركي.
لكن سيكون صعباً على إدارة الجامعة الوصول إلى هدفها بـ«شيطنة» جريدة «الأخبار»، كون إدارة الجامعة تدرك جيداً أن الموقف هو منها ومن سلوكها ومن سياساتها، وأن لا مشكلة لـ«الأخبار» مع الجامعة كمؤسسة، ولو كان لديها الكثير من الملاحظات حول ما تتّبعه من إجراءات وسلوكيات.
إذا لم تكن إدارة الجامعة تعرف، فليس من الخطأ لفت انتباهها، إلى أن بين العاملين في «الأخبار» عدداً غير قليل من خرّيجي الجامعة نفسها، وأن بين العاملين من يتلقّى أولادهم تعليمهم الجامعي في المؤسسة إياها، عدا أن قسماً غير قليل من العاملين في المؤسسة يقصدون الجامعة الأميركية للحصول على خدماتها الطبية.
وفوق كل ذلك، يرتبط العاملون في «الأخبار» بعلاقات إنسانية وشخصية وتفاعلية مع عدد غير قليل من العاملين في الجامعة الأميركية وعلى أكثر من مستوى.
وما يجب أن تعرفه إدارة الجامعة، أن «الأخبار» تمتنع عن نشر «أي وثائق أو تقارير داخلية، أو معلومات خاصة حول مسائل يمكن اعتبارها أموراً داخلية تخصّ الجامعة وكبار العاملين فيها»، وهو قرار قام على الأسس نفسها التي قام عليها مبدأ «نشر كل التوثيق» الذي يخصّ كل شخص أو مؤسسة تعمل في الحقل العام.













