| جورج علم |
تتحفنا وسائل الإعلام العالميّة بمواقف الرئيس دونالد ترامب. لا شك أنه مإلىء الدنيا، وشاغل الناس. يلاقيه الرأي العام بالدهشة والحيرة حول كيفيّة التوفيق بين ما يطالب به، وبين إمكانات تطبيقه. إنه الأسلوب المباشر المجرّد من العواطف والمجاملات، الذي يتقنه جيّداً مطوّرو العقارات، وخبراء الصفقات.
لم تسعفنا التجربة بعد للتأقلم مع هذا الأسلوب. إجتمع أعيان القرار الرسمي في القصر الجمهوري، وقرّروا التوجه إلى مجلس الأمن الدولي، في حال لم تنسحب “إسرائيل” من كامل الأراضي اللبنانية. اللجنة الخماسيّة العربيّة – الدوليّة لم تعلّق، لكن الرسالة وصلت إلى حيث يجب أن تصل، ومضمونها واضح. الوصول إلى مجلس الأمن يمرّ عبر البوابة الأميركيّة حتماً، والرئيس ترامب لا وقت لديه للدلع، ولا ينظر بعين الرضى إلى هذه المؤسسة الأمميّة العجوز المتهالكة، والفاقدة الصلاحيّة منذ زمن، وبالتالي فإن البيت الأبيض من يملي ويقرّر، وما يصدر عن المكتب البيضاوي، يفترض الأخذ به، وبالتالي لا جلسة، ولا مجلس أمن، بل مسار دبلوماسي طويل ترعاه واشنطن، وينتهي عندما تقرّر كيف ومتى يجب أن ينتهي!
الحالة الميدانيّة على طول الحدود الجنوبيّة بدأت تتأقلم مع مسار جديد، ومعقّد. من عناوينه أن “إسرائيل” ستنسحب، لكن الإنسحاب لن يكون وفق سياسة القطيعة والمقاطعة، ولا على وقع الزجليّات الرائجة تحت عنوان “غالب ومغلوب”، بل ضمن قواعد تملي الإسترخاء بديلاً عن التشنج والإنفتاح بعيداً عن الإنغلاق.
هذا يعني أولاً أن لبنان الرسمي ينظر إلى إتفاق وقف إطلاق النار على أنه وثيقة يجب أن تطبّق بحذافيرها، دون زيادة أو نقصان. حجّته أن كل بند من بنودها قد استغرق وقتاً من التفاوض، وبالتالي لا حاجة إلى التأجيل. في حين أن الأميركي ينظر إلى الإتفاق على أنه يشكّل إطاراً للحوار، وللمزيد من المفاوضات حول مواصفات “اليوم التالي” بين لبنان والكيان الصهيوني، ولا بأس أن يفضي الحوار حول نقطة معينة، إلى البحث في نقاط جديدة أخرى، سواء أكانت أمنيّة أو إقتصاديّة أو سياسيّة، يفترض البتّ بها. وهذا ما تنحو اليه الأمور الآن.
الأمر الثاني، أن الترتيبات الأمنيّة لا تقتصر على تلك التي يوفّرها القرار 1701، ولا على تلك التي وردت في متن القرارات الدوليّة الأخرى ذات الصلّة، بل تتجاوزها إلى الضمانات التي يحدّد معالمها التفاهم الأميركي – الإسرائيلي، والتي توفّر ـ وفق منطق تل أبيب ـ مظلّة معنويّة لمستوطنات الشمال.
إن “اليوم التالي” في الجنوب كان ـ وفق صحيفة “واشنطن بوست” ـ على جدول أعمال محادثات نتنياهو في البيت الأبيض، وكان اتفاق على مسارين: الأول، دبلوماسي، كأن يفرض الرئيس ترامب “صفقة” على إيران تأخذ بعين الإعتبار تخليها الكامل عن نفوذها في العواصم العربيّة الأربع التي كانت تسيطر عليها عملانيّاً. والثاني، إذا فشل الحوار، يترك لبنيامين نتنياهو حريّة التصرّف.
ومن مؤشّرات هذا الإتفاق، أن الإدارة الأميركيّة الحاليّة تتماهى بالكامل مع نظرة تل أبيب إلى “حزب الله”، بخلاف الإدارة السابقة التي كانت تتمايز بمواقفها، ولو ببعض الشكليات.
والمسألة هنا غير مرتبطة بنظرة ضيقة، وحسابات ثنائيّة، بل بمسار عام في الشرق الأوسط يهدف إلى توسيع إطار “الإتفاق الإبراهيمي” ليشمل غالبية الدول العربيّة، بحيث يكون هناك نموذج جديد من الإقتصاد المفتوح بين سائر هذه الدول مبني على تفاهمات عميقة، على أن تشكّل الطاقة، والإستثمارات النفطيّة، العمود الفقري، خصوصاً أن الطموح المستقبلي للرئيس ترامب، أن تكون الولايات المتحدة الشريك الفعلي في تحديد “كوتا” الإستخراج، وحجم الإستثمار، والتحكّم بالأسعار في الأسواق الإستهلاكيّة.
وبمعزل عن الإحتمالات المرافقة لهذه الطموحات المستقبليّة، وسبل النجاح أو الفشل، يبقى “اليوم التالي” في الجنوب مزنّراً بعلامات الإستفهام حول موعد الإنسحاب الإسرائيلي الكامل، ومن هي الجهة ـ أو الجهات ـ الضامنة التي ستحل مكانه في المواقع الإستراتيجيّة التي سينسحب منها؟ هل هي أمميّة (اليونيفيل) بصلاحيات جديدة؟ أو أميركيّة، أو من جنسيات دوليّة أخرى، موثوقة، ومقبولة من الأطراف المعنيّة؟ ثم ماذا عن الإعمار؟ وكيف سينطلق؟ ووفق أي دفتر شروط، ومواصفات؟ ومن هي الجهة ـ أو الجهات – التي ستموّل؟ ولتحقيق أي أهداف، ومردودات مستقبليّة؟
هناك إجابة واضحة تختصر كل هذه المشهديّة عنوانها إنضمام لبنان إلى القاطرة الأميركيّة. الأسلوب “ترامبي”. العبارات “ترامبيّة”. والأهداف، والأبعاد، والمرامي أيضاً، وأيضاً. إختصر المشهد مستشار الأمن القومي الأميركي مايكل والتز في أول إتصال علنيّ له مع رئيس الجمهوريّة جوزاف عون. وفي الطريق إلى بيروت هناك العديد من الشخصيات الأميركيّة الفاعلة في إدارة الرئيس ترامب، والتي تأتي للتنسيق، والتشاور، والدفع نحو الأمام بخطوات متأنية، لكنها مدروسة لاجتياز مسافة الألف ميل وصولاً إلى الأهداف الكبرى المرسومة سلفاً.
وليس من جلسة خاصة لمجلس الأمن الدولي بهدف النظر بالإنسحاب الإسرائيلي. لا الآن، ولا في المستقبل القريب. بل خطّة أميركيّة منسّقة مع “إسرائيل”، لا تقتصر مفاعيلها على لبنان، ولكن الأخير سيكون ـ كما غيره من دول عربيّة وشرق أوسطية ـ ضمن المقطورة التي يجرّها قطار ترامب بإتجاه الشرق الأوسط الجديد، بحيث لا يكون أي نفوذ صيني، أو روسي، أو إقليمي، خارج نفوذه، ودائرة طموحاته العائمة فوق بحار الطاقة، وسهوب الغاز والنفط!













