رأت صحيفة “هآرتس” العبرية أن “إسرائيل” لا تنفذ في غزة إبادة جماعية. وفي مقال للصحيفة اعتبرت أن “المدعي العام في “لاهاي” والبروفيسورات الأذكياء، من عمار بارطوف وجنوبا، الذين يتحدثون عن الإبادة الجماعية، جميعهم مخطئون. لا توجد سياسة إبادة جماعية للحكومة، ولا قرار من القادة لتنفيذ إبادة جماعية، ولا توجد نية متعمدة لإبادة الفلسطينيين، ولا أوامر تنزل من الحكومة إلى الجيش، أو من قادة الجيش إلى الرتب العملياتية، لقتل الفلسطينيين. صحيح أنه يتم قتل الكثيرين منهم، ولكنها ليست سياسة، ولا توجد إبادة جماعية”.
أضافت الصحيفة العبرية: ربما يكون شعب إسرائيل في الطريق إلى هناك. هو الآن في الخدعة التي تؤدي إلى الإبادة الجماعية، وعميقاً في عملية تهيئة القلوب. من ناحية تهيئة القلوب، فإن جزءاً من الشعب أصبح هناك (حتى لو لم يدرك ذلك)، وهو الجزء الذي يذكر “العملاق” ويتحدث بصوت مرتفع أو في الغرف المغلقة عن اجتثاث ونفي وترحيل (ربما يجدر به التذكر بأن النازيين في البداية، في 1939 – 1940، تحدثوا عن نفي يهود أوروبا إلى مدغشقر أو مكان آخر قبل البدء في الإبادة الجماعية)”.
وتابعت: كثيرون في “الصهيونية الدينية” وفي أوساط الحريديم القوميين والبيبيين يعلنون على رؤوس الأشهاد عن المرغوب فيه بالنسبة لهم، وعن تسوية نابلس وجنين وتسوية قرى. حتى مؤخراً في جنازة القتيلتين من “كدوميم” طالب الخطباء بتسوية قرى ومدن فلسطينية. هم لا يعتبرون الفلسطينيين بشراً. ولا شك لدي بأنه عند عودة المخطوفين إلى البلاد في الجولات القادمة، الأحياء والأموات، وتظهر حالتهم الجسدية والنفسية للجمهور، أن يتم تسريع هذه التهيئة.
إن نزع الإنسانية الذي يجب أن يتجذر في القلوب قبل الإبادة الجماعية أصبح موجوداً. ذات مرة، تحدث وزير إسرائيلي عن “صراصير في زجاجة”، وتم توبيخه.
الآن، لا نسمع أي توبيخ. تظهر في أوساط الجمهور اليهودي لامبالاة من القتل الجماعي في غزة، حتى قتل النساء والأطفال، ولامبالاة من تجويع الفلسطينيين في الضفة الغربية، من خلال منع عملهم في البلاد، ما يؤدي إلى الفقر والتجويع المحدود، وإزاء التنكيل بهم، بما في ذلك قتل العشرات في السنة الأخيرة على يد المستوطنين.
ورأت صحيفة “هآرتس” أنه “يتم التعبير عن نزع الإنسانية يومياً، حسب شهادات الجنود، بقتل المدنيين في القطاع بوحشية على يد الجنود والسجانين أثناء نقل المعتقلين وهم شبه عارين، بعضهم من رجال حماس وبعضهم من المدنيين، إلى معسكرات الاعتقال، بروتين الضرب والتعذيب في معسكرات الاعتقال وفي السجون، ولامبالاة الجمهور إزاء كل ذلك. يظهر أيضاً أن حراس العتبة، الذين يتم تحديهم بشكل متواصل من قبل أعمال الظلم والفساد والتلاعب من كل جهة، هم ببساطة في حالة عجز أمام طوفان الأعمال الوحشية. كل ذلك من علامات نزع الإنسانية التي تسبق الإبادة الجماعية وتدفع بها قدماً.
وتابعت: “لا شك أن العملية التي تمر فيها إسرائيل، على الأقل في جزء منها، تنبع من عملية موازية، وهي نزع إنسانية اليهود التي تطورت في أوساط الجيران المسلمين الفلسطينيين. تم وضع الأساس في بداية عهد الإسلام في الوصف الذي يظهر في القرآن، اللقاء بين النبي محمد واليهود وذبحهم واجتثاثهم من الحجاز في القرن السابع. وصف القرآن اليهود بأنهم شعب حقير، يقتل الأنبياء، وأحفاد قردة وخنازير”.
أضافت الصحيفة: “هذه أقوال يتردد صداها في الوثيقة الأساسية للحزب الأكثر شعبية في أوساط الفلسطينيين، أي حماس. ميثاق حماس الذي هو دستور المنظمة من العام 1988 يوضح وجوب مطاردة اليهود وقتلهم، وأن الصخور والأشجار التي سيختبئ خلفها اليهودي ستتعاون وستبلغ مطارديه عن وجوده خلفها.
هذا التفكير هو تفكير بالإبادة الجماعية. في الميثاق يتم وصف اليهود بأنهم شياطين، وأنهم يتحملون وزر اندلاع الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية، واندلاع الثورة في فرنسا وفي روسيا في القرن الثامن عشر والقرن العشرين على التوالي، وإقامة منظمة الأمم المتحدة (المنظمة التي عملت وتعمل كل يوم من أجل حماس والفلسطينيين بشكل عام). لا يجب فهم القتل الجماعي لليهود في غلاف غزة، من الطفل وحتى الشيخ، وتفاخر القتلة بأعمالهم في لحظة الذبح الحقيقية، إلا كتعبير عن الكراهية التي تندلع من صفحات القرآن ومن الميثاق (تم تسجيل صوت أحد القتلة في صباح 7 أكتوبر وهو يتصل بوالده ويبلغه بسرور بأنه ذبح الآن يهودياً بسكين في شارع 262)”.
وتابعت الصحيفة: “لكن الكراهية كلها لا تأتي فقط من الأيديولوجيا، فهناك تاريخ وأفعال. من السهل رسم عملية تهيئة القلوب للإبادة الجماعية في أوساط العرب. واللبنة الأساسية في ذلك هي اقتلاع معظم الفلسطينيين من بيوتهم في حرب 1948 (الحرب التي هم بدأوها). ومنذ العام 1967 واليهود يحكمون سكان الضفة الغربية ويسيطرون عليهم ويقومون بقمعهم، أحياناً بوحشية، ودائماً من خلال الإهانة”.
وقالت إنه “خلال هذه العقود، تجاوز عدد المعتقلين الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية الـ 100 ألف بكثير.
وتم قمع سكان قطاع غزة واعتقالهم من قبل اليهود، ويحاصرونهم منذ عقود، ولا يسمحون لأحد بالدخول أو الخروج. وبين حين وآخر يمطرون عليهم النار من الجو والأرض، رداً على الصواريخ التي يطلقونها على جنوب البلاد. لا شك أن القتل الجماعي واقتلاع السكان من بيوتهم من قبل إسرائيل في الـ 16 شهراً الأخيرة سيعمق التهيئة للإبادة الجماعية ضد اليهود. عملية تهيئة القلوب لدى اليهود كانت مشابهة، ولكنها مختلفة أيضاً. ففي أوساط جزء من اليهود، مرت هذه العملية في الكتب المقدسة. فالتوراة تتحدث عن احتلال البلاد واستيطانها في عهد يهوشع والقضاة، التي رافقتها أعمال القتل والذبح، وحتى أوامر ذبح “للعملاق”. وفي أوساط جميع اليهود، شملت عملية التهيئة جولات ذبح لليهود على يد الأغيار في الألفي سنة الأخيرة، بالأساس على يد المسيحيين، وأيضاً على يد المسلمين (فرهود وغيرها)، التي كانت ذروتها في الكارثة. وقد أضيف إلى ذلك الإرهاب غير النهائي للعرب ضد اليهود في أرض إسرائيل في القرن العشرين، (الخليل، صفد، قافلة هداسا، معلوت وغيرها)”.
واعتبرت أن “7 أكتوبر شكّل ذروة تهيئة قلوب اليهود للإبادة الجماعية، التي ستأتي كما يبدو. نسبة الولادة غير المتناسبة في المجموعات السكانية اليهودية، التي تميل إلى استخدام العنف ضد العرب، تقرب الاندفاع نحو الإبادة الجماعية. ويمكن الاعتماد على العرب في توفير المبرر والشرارة”.
ورأت أن “هذا لن يشبه 7 أكتوبر. ولن يكون هناك اقتحام كبير من القطاع للغلاف. الجيش الإسرائيلي و”الشاباك” تعلما الدرس. ولكن ستكون حادثة تشعل الشرارة – اقتحام، أو اقتحامات، لمستوطنات مع عدد كبير من المصابين، وإسقاط طائرة ركاب إسرائيلية أو طائرات مليئة باليهود، وإغراق سفينة تخرج من حيفا، وتسميم ناجح لمصادر المياه أو نشر الغاز السام في الهواء. سيكون محفزاً، وعندها ستأتي الإبادة الجماعية، بتسوية مدن من الجو، بدون أي تمييز أو محاولة للتمييز بين المدنيين والمسلحين، أو بمعسكرات إبادة. ربما يحدث دمج بين النفي (التطهير العرقي) والإبادة الجماعية، كما تعود الأتراك على التعامل مع التجمعات المسيحية في آسيا الصغرى في الأعوام 1894 – 1924”.
وأكدت أنه “إذا لم يتم حل المشكلة الفلسطينية، التي أعادها 7 أكتوبر إلى وعي العالم ووعينا، ويكون حل الدولتين للشعبين مفيداً (حتى لو أنه يظهر الآن كأمر خيالي)، فستأتي الإبادة الجماعية، والطرف القوي بالطبع هو الذي سينفذها”.













