spot_img
spot_img
الرئيسيةسياسةطهران - "تل أبيب": معركة معادلات

طهران – “تل أبيب”: معركة معادلات

spot_img
spot_img
spot_img
spot_img

| عماد مرمل |

تدحرجت مفاعيل الغارة الإسرائيلية على الخط الأحمر الإيراني المرسوم حول الضاحية الجنوبية لبيروت، لتُفجِّر من جديد مواجهة مباشرة بين طهران وتل أبيب، يمكن إدراجها في إطار “معركة المعادلات”، قبل أن تتوقف تحت تأثير الضغط الأميركي على بنيامين نتنياهو، سعياً إلى حماية مسار إسلام آباد، بعدما وصل إلى مرحلة حساسة.

حاول نتنياهو بقوّة النار أن يفرض على “حزب الله” معادلة: “تحييد الضاحية مقابل تحييد المستوطنات الشمالية”، الأمر الذي كان من شأنه أن يُقيِّد الحزب، وأن يحصر معركته في الجزء المحتل من الجنوب بعيداً من شمال فلسطين المحتلة، بينما يستمر الكيان الإسرائيلي من ناحيته في قصف القرى والمدن الجنوبية والبقاعية وتفريغها المنهجي من سكّانها، وهذا ما يعني خسارة “حزب الله” لورقة الضغط على الداخل الإسرائيلي في إطار معركة عضّ الأصابع.

صَبَر الحزب في بادئ الأمر على هذه المعادلة المجحفة، من أجل إعطاء فرصة للاتصالات الديبلوماسية التي كانت ترمي إلى إنجاز اتفاق شامل وثابت لوقف إطلاق النار، على قاعدة التزام الجانبَين به. لكن، وبعدما أفضت جلسة التفاوض الرابعة بين الوفدَين اللبناني والإسرائيلي إلى “اتفاق واشنطن” الذي رفضه “الثنائي الشيعي”، وبالتالي عدم توقف الحرب على كل الأراضي اللبنانية، ارتأى الحزب ضرورة تصحيح الخلل المستجد في “قواعد الاشتباك” ومنع تكريسه كأمر واقع، فكان تأكيد أمينه العام الشيخ نعيم قاسم، أنّ المستوطنات لن تكون آمنة ما دامت قرى الجنوب ليست كذلك، ثم تُرجم هذا الإعلان عسكرياً على الأرض عبر إطلاق صواريخ على أهداف في الجليل.

وما عزّز موقف الحزب، هو الإعلان الإيراني الصريح والعلني، عن أنّ أي هجوم إسرائيلي على الضاحية سيتمّ الردّ عليه بقصف شمال فلسطين المحتلة، وهو التحذير الذي كان قد دفع الرئيس الأميركي دونالد ترامب في مكالمته الشهيرة مع نتنياهو، إلى إجبار الأخير على وقف ضربة واسعة كان في صدد توجيهها إلى الضاحية، قبل تنفيذ غارة التحويطة، وذلك خشية من أن تتأثر المفاوضات مع طهران بمثل هذا التصعيد.

إلّا أنّ نتنياهو الذي رضخ آنذاك مضطراً إلى إرادة ترامب، كان يتحيَّن الفرصة للتفلُّت من الضوابط الأميركية، وهو أبلغ حينها إلى الرئيس الأميركي، أنّ أي استهداف لاحق للمستوطنات الشمالية سيُقابَل بقصف الضاحية.

وبناءً عليه، قرَّر نتنياهو تنفيذ ما افترض أنّها ضربة محدودة في منطقة التحويطة لتحقيق أهداف عدة أهمَّها، تكريس معادلة “الضاحية – المستوطنات”، وفصل المسار اللبناني عن ذاك الإيراني، عبر تثبيت حرّية الحركة في لبنان بمعزل عمّا يجري في إسلام آباد، واختبار ردّ الفعل الإيراني، وسط تقديرات كانت سائدة في تل أبيب بأنّ طهران لن تردّ، أولاً لأنّ الهجوم الإسرائيلي “رمزي”، وثانياً لأنّها لا تريد أن تخاطر بمصير مفاوضاتها مع واشنطن.

هنا، فاجأت إيران كلاً من تل أبيب وواشنطن بتنفيذ تهديدها ومبادرتها إلى قصف شمال الكيان الإسرائيلي بدفعات صاروخية متلاحقة، في رسالة نارية حملت بين سطورها الأبعاد الآتية:

  • تثبيت معادلة قصف الشمال الإسرائيلي مقابل قصف الضاحية الجنوبية، وتفعيل قاعدة أنّ وقف إطلاق النار يكون على كل الجبهات أو لا يكون.
  • التأسيس لتوسيع المعادلة المشار إليها من الضاحية إلى الجنوب، وهو ما ضمّنه مقر خاتم الأنبياء، حين حذّر من أنّ الاستمرار في الاعتداءات على الجنوب اللبناني سيُواجَه بردود أشدّ قسوة من جانب طهران.
  • مغادرة مفهوم الصبر الاستراتيجي كلياً واستبداله بالحزم الاستراتيجي، ما يعكس تطوُّراً في العقيدة السياسية والعسكرية الإيرانية.
  • مبادرة إيران للمرّة الأولى في تاريخ النزاع إلى الهجوم ابتداءً على الكيان الإسرائيلي، على رغم من أنّها لم تتعرَّض أولاً للإعتداء، وبالتالي هي انتقلت من ضفة ردّ الفعل إلى ضفة المبادر، ما يشكّل تحوُّلاً في دينامية المواجهة وقواعدها.
  • إعادة الإعتبار إلى مبدأ “وحدة الساحات” في السرّاء والضرّاء، وإثبات أنّ طهران لا يمكن أن تتخلّى عن حلفائها وفي طليعتهم “حزب الله”.
  • تأكيد تلازم المسار الإيراني مع اللبناني رداً على محاولتَي نتنياهو وترامب فصلهما.
  • تحسين موقع طهران في المفاوضات مع الولايات المتحدة من خلال “عرض القوّة” الصاروخي الجديد.
  • الإستفادة من عدم حماسة ترامب للإنخراط مجدّداً في الحرب، وإعطائه الأولوية للخيار الديبلوماسي، الأمر الذي سمح بتحييد واشنطن عن هذه الجولة القتالية.

 

 

spot_img
spot_img
spot_img
spot_img

شريط الأحداث

spot_img
spot_img